و لقد جاء في الحديث الشريف عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي يرويه عن ربه: «قال اللّه تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال اللّه تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال:
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: قال اللّه تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال: مجّدني عبدي، فإذا قال: إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُقال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (( 6 ) )صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالِّينَقال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» [1] .
فإطلاق القول بأن سورة الفاتحة تعدّ أدعية تعوزه الدقة.
ثانيا: ترتيب السور ليس للطول والقصر فيه شأن، وليس صحيحا أن ما نزل في النصف الثاني - في المدينة - من رسالة النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم كان أطول؛ ولذا وضع في أول القرآن، وأن ما نزل في النصف الأول - في مكة - كان أقصر، ووضع آخرا، إن كتاب دائرة المعارف البريطانية نظروا إلى السورة الثانية وهي سورة البقرة فوجدوها أطول سورة، ونظروا إلى السور الأخيرة وهي الإخلاص والمعوذتين فقالوا إنها أقصر السور، وهذا الحكم خطير، لأنّ أي حكم لا ينبغي أن يبنى على مثال واحد، وبخاصة في قضية لا يصعب فيها الاستقراء والاستقصاء، ثم إن هذه السورة الأخيرة ليست هي أقصر السور - كما سنعلم - وسنتبين التهافت الظاهر فيما جاء في دائرة المعارف.
فهناك سور مكية تعدّ من طوال السور، وذلك كسورتي الأنعام والأعراف، السور السادسة والسابعة، بينما نجد سورا مدنية قصيرة قصرا ملحوظا كسورة النصر، وهناك سور مكية كثيرة أكثر طولا من سور مدنية كثيرة، فمثلا سورة يونس وهود ويوسف، والأنعام والأعراف - كما قلنا من قبل - مكية، وسورة
(1) رواه مسلم في كتاب الصلاة من «صحيحه» ، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة رقم (38) .