سنة عامة هو من أثرة الماديين في هذا العصر، وإنه جور وظلم هم الواضعون له والحاكمون به، وإنه مخالف لهدى الدين، ولو عرف من يقولون هذا معنى الإنسان أو لو عرفوا أنفسهم، أو لو فهموا هذه الآية وما في معناها من سورة الحج لما قالوا ما قالوا.
قوله تعالى: لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ يؤيده السنة التي يعبر عنها علماء الاجتماع بالانتخاب الطبيعي أو بقاء الأمثل، ووجه ذلك جعل هذا من لوازم ما قبله، فإنه تعالى يقول إن ما فطر عليه الناس من مدافعة الحق، وبقاء الصلاح، ويعزز ذلك قوله تعالى في بيان حكمة الإذن للمسلمين بالقتال في سورة الحج:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (( 39 ) )الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللّهُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَاتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (( 40 ) )الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (( 41 ) ) [الحج: (39) - (41) ] ، فهذا إرشاد إلى تنازع البقاء والدفاع عن الحق، وإنه ينتهي ببقاء الأمثل وحفظ الأفضل.
ومما يدل على هذه القاعدة من القرآن المجيد قوله تعالى في سورة الرعد:
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثالَ [الرعد: (17) ] ، فهو يفيد أن سيول الحوادث ونيران التنازع تقذف زبد الباطل الضار في الاجتماع وتدفعه وتبقي إبليز [1] الحق النافع الذي ينمو فيه الغمر، وإبريز [2] المصلحة التي يتحلى بها الإنسان، وهناك آيات أخرى في أن الحق يزهق الباطل، وسيأتي بيان ذلك ودفع
(1) الإبليز: هو الطين الذي يأتي به النيل في فيضانه وهو خاص أريد به العام.
(2) الإبريز: الذهب الخالص المصفى.