برأي حتى ينزل الوحي، وإذا حدث أن اجتهد في بعض هذه الحوادث ينزل الوحي ليصحح له ويبين وجه الحق، كما رأينا ذلك في قصة خولة بنت حكيم وقد ظاهر منها زوجها، فجاءت تسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتجادله فيقول: ما أظنك إلا قد حرمت عليه، فتنزل الآيات فيها البشرى لخولة وزوجها [1] .
خامسا: هذه العبارة، أعني عبارة الغرانيق، إما أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد قالها بالفعل، وإما أن يكون الشيطان هو الذي نطق بها كما تحكي الروايات، وكلا الروايتين مرفوض ومردود، أما الأول فلأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه يصرح في مواضع كثيرة من القرآن بأنه لا يملك لنفسه شيئا، وبأنه لو شاء اللّه ما تلا شيئا من هذا القرآن قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ... [يونس: (16) ] ، بل إن القرآن نفسه يقرر دون استحياء من النبي وَاللّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: (53) ] بأن هذا القرآن إنما هو رحمة وفضل من اللّه، وأنهم يكادون يفتنونه عن بعض ما أوحي إليه، ولكن اللّه يثبته وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ... [الإسراء: (73) ] . بل يذهب القرآن إلى أكثر من هذا وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (( 44 ) )لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (( 45 ) )ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (( 46 ) )فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (( 47 ) ) [الحاقة: (44) - (47) ] .
أما الاحتمال الثاني فهو أكثر ما يكون بعدا عن المنطق والواقع، فالقرآن بعيد عن أن يحوم حوله شيطان، فالقارئ أول ما يقرأ القرآن يستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم، وهم لا يستطيعون ذلك أبدا، والقرآن يبين هذه الحقيقة واضحة: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (( 210 ) )وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (( 211 ) )إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (( 212 ) ) [الشعراء: (210) - (212) ] ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يتصور، بل كيف يصح أن يأتوا بشيء منه في حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يتلوه؟ يقينا إن شياطين الجنّ لا يستطيعون ذلك، ومع ذلك فإن شياطين الإنس قد اختلقوه وافتروه، والشيطان كما نعلم لا يستطيع أن يتمثل بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما جاء في الأحاديث
(1) ينظر ما قيل في سبب نزول أوائل سورة المجادلة.