نجده يعقب على ذلك بقوله: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً احِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (( 92 ) ) [الأنبياء: (92) ] ، وفي آية أخرى: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً احِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (( 52 ) ) [المؤمنون: (52) ] ، وانظر ما تقدم في آيات الوحدانية: * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّاى بِهِ نُوحًا ... [الشورى: (13) ] .
وعلى هذا فإن ما جاء في القرآن يصحح ما ذهب إليه كثير من علماء الأديان، الذين يعتقدون أن قضية التوحيد جاءت في مرحلة متأخرة جاءت بعد مرحلة الخرافة والتعدد، والقرآن لا شك أدق وصفا، وأثبت قولا، وأصح حكما، وأصدق حديثا، لأن مصدره لا يحتمل الأمور الظنية. إن إبراهيم عليه السلام كان في تلك القافلة الخيرة، قافلة التوحيد، التي كان فيها قبله صفوة مختارة وبعده صفوة مختارة، وها هو دعاؤه: رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ (( 83 ) ) [الشعراء: (83) ] ، ولا شك أن الصالحين الذين سأل اللّه أن يلحقه بهم كانوا متقدمين عليه زمنا. هذه المسألة الأولى في هذه القضية.
الثانية: محاولات الربط بين الإسلام واليهودية:
أما المسألة الثانية فهي ما ذكرته الموسوعة من أن هناك محاولات وجهودا واضحة لإيجاد روابط بين الإسلام واليهودية التي سبقته، وإحقاقا للحق نذكر أن طبيعة الإسلام وحرصه على هداية الناس، ونظرته إليهم على السواء دون تفريق بين جنس وجنس ولغة ولغة، إن هذه النظرة السوية للناس جميعا على ما بينهم من اختلاف في الأعصار والأمصار جعلته يبذل كل محاولة لإيجاد الروابط وإحكام الصلات بينه وبينهم جميعا، وبخاصة أولئك الذين ينتمون إلى ديانات سماوية، الذين تذوقوا طعم الهداية، وعرفوا قدر الرسل.
إن من أبسط الأمور وأقربها إلى البديهة أن ينظر الإسلام إلى هؤلاء نظرة مميزة عن نظرته إلى غير أولئك من الوثنيين [1] ، ولعل خير برهان على هذا ما
(1) بيّنا هذا مفصلا في التمهيد فارجع إليه إن شئت.