إن توثيق صلة الإسلام بكل من حوله بعامة وبأهل الكتاب بخاصة كان ينبثق من طبيعة الإسلام نفسه الذي يرى أنه جاء لخير الناس جميعا وذلك ما أشار إليه القرآن أو بينته السنة كذلك ففي حديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: «مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها، فجعل الرجل يزعهنّ ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها» [1] .
هذا هو موقف الإسلام، ولكن أ ليس من الإنصاف أن نعرض لموقف الآخرين منه؟ ومما يخجل حقا أن نجد حرص الإسلام على توثيق صلته بأهل الكتاب، يقابل بالنكران والجحود وبالتجني على الحقائق كذلك، وها هو التاريخ يحدثنا حديثا يصدقه القرآن، والقرآن يحدثنا حديثا يصدقه التاريخ، فها هو أحد رؤساء اليهود، وقد ذهب إلى مكة ليستعدي المجتمع الوثني على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وإلى هنا يمكن أن يكون الأمر مقبولا، فالخصم يمكن أن يتعاون مع أيّ أحد ليتغلب على خصمه، حتى مع الشيطان - كما قال تشرشل في الحرب العالمية الثانية - وإن كان هذا مبدأ لا يقره الإسلام نفسه، ولكن الذي لا يقبل:
التنكر للحقيقة والتجني على التاريخ، فقد سألت قريش هذا الزعيم اليهودي:
أيهما أصح دينا، وأثبت على الحق، أ نحن أم محمد، سألوه لأنهم يعرفونه من أهل الكتاب الذين لا تخفى عليهم مثل هذه القضايا، وكان من الممكن أن يجيبهم بما هو الحق، فإن لم يعترف بالإسلام، فهو معترف بأن هؤلاء وثنيين، كان اليهود يقولون عنهم - وهو كذلك بالطبع - لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران: (75) ] ، وإن لم يرد أن يصارحهم بالحقيقة، فمن الممكن أن يعمّي في الإجابة، ولكن لم يكن هذا ولا ذاك، بل قال لهم: أنتم أصح دينا، وأقوم طريقة، وأهدى سبيلا، أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْت
(1) رواه البخاري كتاب الرقاق باب الانتهاء عن المعاصي (( 2379) : (5 ) )، حديث رقم (6483) .