فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 276

المؤمنين وبين الرسول في طريقة التحدث له، كما نزلت الشرائع تنظم الميراث والزواج، وتنظم الطقوس الدينية للصوم والحج».

قلت أكثر من مرة: إنّ أسلوب القرآن من حيث روعة البيان، ورفعة البلاغة، وجودة الصياغة، مكيّه ومدنيّه سواء، ولكن هناك موضوعات حريّ أن تكون في مكة، وأخرى جدير أن تكون في المدينة.

والحقيقة أن الموضوعات المكية تكاد تكون متقاربة أكثر من التقارب بين الموضوعات المكية في الفترة الأخيرة، والموضوعات المدنية، ذلك لأن الطبيعة والبيئة والظروف تحتم ذلك، فآيات الأحكام جميعها، ومنها الجهاد بالطبع، كانت جلها في المدينة، أما التحريض على الجهاد ولوم المتقاعسين، فتلك قضية شغلت الكاتبين مسلمين وغير مسلمين، قديما وحديثا. وليس من غرضنا أن نسترسل في الحديث عنها هنا، إلا أننا نكتفي بالقول:

إننا إذا استعرضنا أول آيتين في الجهاد، وتدبرناهما تدبرا جيدا، أدركنا دون عناء أو إعياء، أن هذا الجهاد، كان مفروضا على أصحاب الدين الجديد، حتى لا يبتلعهم خصومهم الكثيرون، ويزيلوا كل أثر لهم من الحياة، ونحن نرى - حتى في هذا القرن - أن حروبا تقام من أجل توسع شعب على حساب شعب آخر. هاتان الآيتان اللتان أشرت لهما من قبل. تقول أولاهما:

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج: (39) ] يقاتلون ببناء الفعل للمفعول - كما يقول علماء النحو العربي - أي يقاتلهم غيرهم، هؤلاء المسلمون الذين يقاتلهم الناس، ويريدون لهم التلاشي من الوجود، هؤلاء أذن لهم بأن يردوا الاعتداء عن أنفسهم.

أما الآية الثانية فهي قوله سبحانه: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [البقرة: (190) ] ويقيني أن معنى هذه الآية ليس فيه غموض ولا لبس ولا خفاء.

لقد أخرج المسلمون من ديارهم، وصودرت أموالهم وحيل بينهم وبين ذويهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت