نصا أدبيا، حتى يتاح له أن يحكم على جودته أو رداءته فضلا عن بلاغته وإعجازه» [1] .
ولنعد إلى حديثنا عن ترتيب القرآن، ومع ما ذكرناه ونقلناه عن المستشرقين في هذه القضية، فإن مما يظهر للدارس هذه الاختلافات فيما بينهم التي تكثر حينا وتقل حينا آخر، صحيح أن هناك أمورا مشتركة بينهم، ولكن مع ذلك فبعضهم يأخذ على عاتقه اعتقاد الروايات، وبعضهم لا يقيم لها وزنا، وبعضهم يقسم القرآن من حيث ترتيبه إلى ست مراحل، وبعضهم إلى أربع. وهؤلاء يختلفون فيما بينهم كذلك، وهذا أمر طبعيّ لأن كل دراسة لا تقوم على أسس متينة تظل عرضة للتغيير والتهور في الحكم وعدم الجدّية في البحث، وأنقل هنا ما كتبه الدكتور صبحي الصالح رحمه اللّه:
«و من الغريب حقا أن يظن المستشرقون أن في وسعهم ترتيب القرآن زمنيا وهم يجحدون كل أثر للرواية الصحيحة في هذا الترتيب. ولو كانوا يتشددون في الروايات فلا يقبلون منها إلا المسندة الصحيحة لهان الأمر، فإن علماء الإسلام أنفسهم كانوا - ولا يزالون - يرفضون الأخذ بالروايات الضعيفة في المكي والمدني وغيرهما من الموضوعات التي تلقي الضياء ساطعا على تتبع مراحل الوحي القرآني، وترتيب سوره وآياته، وتدرج تعاليمه وإرشاداته، على أن بين المستشرقين من حاول أن يبحث هذا الموضوع على صعيد لا يختلف كثيرا عن صعيدنا، كالأستاذ غريم H.Grimme الذي اعتمد على الروايات والأسانيد الإسلامية في ترتيب سور القرآن، ويؤخذ عليه مع ذلك أمران: أما أحدهما فعدم تمحيصه صحيح تلك الروايات وسقيمها وعجزه كسائر المستشرقين عن هذا التمحيص، ولذلك لم يبال بترتيب القرآن على أساس واه من الأسانيد الضعيفة أحيانا والباطلة أحيانا أخرى، وأما الآخر فهو تخليه عن
(1) مقدمة «الظاهرة القرآنية» ص (12) .