فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 276

تأثر ببيئة ثقافية أخرى، وهي البيئة الشرقية، فأخذ من الزرادشتية أو الصابئة كثيرا من قضاياه وأحكامه، وهذه الافتراضات كلها في مكة بالطبع.

أما في المدينة فلما ذا لا يكون القرآن قد تأثر في كثير من تشريعاته بما أخذه عن اليهود هناك، وهذا الاحتمال يبرهن عليه مدّعوه بأن هنالك قضايا كثيرة سواء منها ما يتصل بالأحكام والتشريعات، أم بشخصية الرسول قد طرأ عليها تغير ملموس محسوس في المدينة.

تلك هي الاحتمالات الناشئة عن هذا الفرض وهو أن القرآن اكتتبه النبي واكتسبه من غيره وسنجد أن العرب في جاهليتهم يلتقون مع المستشرقين، وربما كان العكس أكثر صحة، وهو أنّ هؤلاء المستشرقين رغم ثقافاتهم يلتقون مع العرب الذين ناصبوا القرآن العداء، إلا أنه والحق يقال رغم أن هؤلاء المستشرقين أكثر ثقافة، فإن هؤلاء العرب في جاهليتهم كانوا أكثر دقة وإنصافا.

وعلى سبيل المثال، فلقد كان العرب وهم الذين يعايشون النبي الكريم، يعرفون عنه أكثر مما يعرفه المستشرقون والمبشرون، ولقد نقل القرآن لنا بأمانة ما قالوه، وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (( 5 ) )قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (( 6 ) ) [الفرقان: (5) - (6) ] هكذا قالوا: «اكتتبها» ولم يقولوا: «كتبها» ، وما أعظم الفرق بين الكلمتين، فاكتتبها تعني أنه طلب من غيره أن يكتبها له، وكتبها ليست كذلك. هذا ما قاله العرب في جاهليتهم.

أما ما قاله كثير من المستشرقين فكان بعيدا عن الواقع، فلقد قالوا إن النبي هو الذي كان يكتب هذه القضايا، وحاولوا أن يثبتوا ذلك، فزعموا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يكتب، واستدلوا لذلك بما كان في مرضه عليه الصلاة والسلام، حينما طلب أن يكتب للمسلمين كتابا، وهذا منطق غريب إن جاز أن نسميه منطقا، فنحن نعلم أن الرؤساء ومن ماثلهم لا يتولون الكتابة بأنفسهم، فضلا عن أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت