محددة جدا ... فالقرآن يقدم كارثة الطوفان باعتبارها عقابا نزل بشكل خاص على شعب نوح، وهذا يشكل الفرق الأول أما الفرق الثاني فهو أن القرآن على عكس التوراة لا يحدد زمن الطوفان، ولا يعطي أية إشارة عن مدة الكارثة نفسها .. والقرآن يحدد بشكل صريح محتوى سفينة نوح فقد أعطى اللّه أمرا لنوح بأن يضع في السفينة كل ما سيعيش بعد الطوفان، بالإضافة إلى الأسرة التي قطع منها الابن الملعون، ولا تشير التوراة إلى هؤلاء من بين ركاب السفينة وإنما تقدم ثلاث روايات عن محتوى السفينة» [1] .
بل في قضية غرق فرعون نجد القرآن يذكر جديدا لم تعرض له التوراة البتة، وهذا «فيما نراه في مشهد عبور إسرائيل البحر الأحمر حيث غرق فرعون وجنوده كما روى سفر الهجرة، ولكن رواية القرآن تكمل هذا العرض بتفصيل غير متوقع، وهو أيضا غير عادي، أعني النجاة البدنية لفرعون الذي أفلت بأعجوبة من الغرق فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً» [2] .
أما في قضايا التشريع والمسئولية الأخلاقية، فما أعظم الفرق، والحق أن البون شاسع تماما بين مبادئ القرآن وبين غيره، وننقل هنا كلاما طيبا لأستاذنا الدكتور محمد عبد اللّه دراز رحمه اللّه، ونؤثر أن ننقله بنصه على طوله لما له من فائدة في موضوعنا الذي نتحدث عنه يقول:
«فإذا كان هدفه - القرآن - الأول هو أن يحافظ على التراث الأخلاقي الذي نزلت به الكتب المقدسة السابقة ويؤيده، فإن له رسالة أخرى لا تقل عنه أهمية وقدسية، ألا وهي إتمام وإنهاء الصرح الإلهي الذي بناه الرسل والأنبياء على مر العصور، يقول الرسول الكريم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ، ويقول:
(1) «الكتب المقدسة» موريس بوكاي ص (246) .
(2) «الظاهرة القرآنية» ص (203) .