و كان الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام يوجههم هذا التوجيه، حتى لا يشغلوا عن القرآن بشيء، لذا ورد النهي عن كتابة الحديث، وهذا النهي لم يكن - كما يظن بعض الناس - خشية أن يختلط القرآن بالحديث، فإن أسلوب القرآن أسلوب فريد لا يشبهه أسلوب البشر ولو كان أسلوب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، فشتان بين الأسلوبين، ولكن النهي عن كتابة الحديث إنما كان هدفه أن لا ينشغل عن القرآن بشاغل.
وعلى هذا فلم يكن في العصر الذي نزل فيه القرآن قراء عنوا أكثر من غيرهم، بل المسلمون جميعا كانوا كذلك. برهان ذلك: أن عصر النبي عليه وآله الصلاة والسلام وعصر الصحابة كذلك اشتهر فيه علماء كان لكل تخصصه فهناك من اشتهروا بكثرة الرواية فسموا المكثرين، والمكثرون هم الذين روى كل واحد منهم عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أكثر من ألف حديث، وهم سبعة، واشتهر أناس بالفتيا والفقه وسموا الفقهاء وهم سبعة كذلك، أما التفسير فقد اشتهر فيه عشرة من الصحابة، ولم يقل أحد: إن القرآن وقراءته اشتهر فيه فلان، نعم ورد «أقرؤكم أبيّ» ، ولكن كان هناك زيد وعبد اللّه بن مسعود، كان هناك كتبة الوحي، وهؤلاء لم يشتهروا بأنهم أكثر الناس عناية بالقرآن.
ويعد العصر الأول، عصر الصحابة رضوان اللّه عليهم واتساع الرقعة الإسلامية، ودخول كثير في دين اللّه، وبخاصة من غير العرب كان لا بد من التصدي لإقراء هؤلاء، وكانت المساجد هي المدارس ودور العلم، وعرف هؤلاء بالقراء، وكان هؤلاء القراء يقرءون الناس حسب القراءة التي تلقوها، وكانت صحة القراءة تعتمد أول ما تعتمد على التواتر وصحة النقل، بيان ذلك:
أن مصحف عثمان رضي اللّه عنه يرى جمهور العلماء أنه اشتمل على الأحرف السبعة، فبعض هذه الأحرف كان يحتمله الرسم مثل تبينوا وتثبتوا، بشرا ونشرا، وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا [الأعراف: (57) ] ، وفي قراءة نشرا،