النقيض من ذلك فإنّ اللّه يعد من ينفق بالنّعيم حيث أنّ هذه الإنفاق قرض للّه سيضاعف أكثر ممّا يجنيه النّاس من الاستثمار بالرّبا، ثمّ إنّ اختزان الأموال من دون الاعتراف بحقوق الفقراء يعرّض صاحبه يوم القيامة لأشدّ العذاب، وهو فوق ذلك من الأسباب الرئيسية لانحطاط المجتمعات في هذا العالم. وأمّا التعامل بالرّبا فهو محرّم، وجنبا لجنب مع هذا المذهب السياسي والاقتصادي الذي يعزّز رباط الإيمان تبرز فكرة مجتمع متلاحم من المؤمنين الموصوفين بأنّهم أخوة بعضهم لبعض، ويوصف المسلمون على أنّهم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ [البقرة: (143) ] ، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ الذي يتمثّل دورها في تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: (110) ] ، كما يوجد تركيز على التعاون والتناصح بين أفراد الأمة، وكلّ من يحاول أن يضرّ بمصالح الأمّة يعاقب حتى يكون عبرة لغيره، وكلّ معارض من بين أفراد الأمّة يحارب ويقهر بالقوة، إذا تعذّر الإقناع أو التحكيم بين المتنازعين.
وبما أن مهمّة الأمة تكمن في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر حتى لا يكون أيّ فساد في الأرض فإنّ الجهاد هو النتيجة المنطقية، كون أنّ تركيب الأمة هو قاعدة الحكم. لقد كان الجهاد بالنسبة للأمّة الإسلامية في العهد الأوّل مفهوما دينيا، والجهاد يعني صراعا فعّالا باستخدام القوة كلّما كان ذلك ضروريا، وليس الغرض من الجهاد إدخال أناس آخرين في الإسلام ولكن بالأحرى الحصول على الهيمنة السياسية على القضايا الجماعية للمجتمع وذلك لتسييرها وفقا لمبادئ الإسلام، وأمّا اعتناق غير المسلمين للإسلام فإنّه يحدث كنتيجة ثانوية لهذه العملية وذلك عند ما تنتقل بنية الحكم إلى أيدي المسلمين، والواقع أنّه وفقا للتعاليم الإسلامية الصّرفة فإنّ إرغام الآخرين على اعتناق الإسلام بالقوّة حرام لأنّ بعد نزول القرآن أصبح الخير بيّنا كما أصبح الشرّ بيّنا فعلى الإنسان أن يختار أيّهما شاء، كما يحرم تحريما باتا إعلان الحروب من أجل الحصول على الدنيا أو السلطة أو الحكم.