ولكنه مع ذلك كله أباح التزوج من الفتاة الكتابية، يهودية أو نصرانية، شريطة أن يكون هذا الزواج مبنيا على أسس من العفة والعدالة، مع بقاء هذه المرأة على دينها ومنحها حرية العبادة، قال تعالى: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ [المائدة: (5) ] .
ثانيا: حرم الإسلام على المسلمين أن يأكلوا ذبائح غير المسلمين كذلك ولو كانوا إخوانهم ومن أقرب الناس إليهم، ولكنه مع ذلك استثنى أهل الكتاب، قال تعالى: وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ [المائدة: (5) ] .
ولا يرتاب أحد في أنّ قضيتي الزواج والطعام من أكثر الأمور التي تمتّن الصلات بين الناس، الصلات القريبة المباشرة التي يكون لها من توثيق الروابط، وتحديد الصلات، وتمتين العلاقات ما يدعم أواصر المودة، ويجعل هؤلاء مع أولئك أكثر انسجاما وأكثر بعدا عما يفصل بين الناس من أوهام وحواجز، ويجعل هذه الجسور ليسهل تلاقيهم فيما بينهم.
ثالثا: قرر الإسلام أن الجهاد هو الفيصل بينه وبين خصومه الذين يناصبونه العداء، ولكنه في هذه كذلك أمر المسلمين أن يفرقوا بين الكتابيين وغيرهم، فغيرهم من عبّاد الأوثان أو الكواكب أو الملائكة إن لم يسلموا فلا يقبل منهم شيء أيّا كان، والحرب هي التي تفصل وتحسم المواقف. أما الكتابيون من يهود ونصارى فلقد كانت لهم معاملات خاصة فيمكن أن تبقى لهم حريتهم الدينية، ولا يرغمون على الحرب إلا إذا أرادوها هم، ولكن عليهم أن يساهموا ببعض إمكاناتهم اليسيرة لما تقدمه لهم الدولة الإسلامية من مرافق حياتية، ولهم حريتهم التي لا ينبغي أن يعتدي عليها أحد، على أن لا تكون هناك أمور تعسفية يقصد منها الإغاظة والاستفزاز.
رابعا: لقد جاء في القرآن الكريم صريحا آيات كثيرة تأمر المسلمين بالبر والقسط، وتحثهم على العدل مع أولئك النّاس حتّى لو كانوا يبغضونهم بغضا