فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 415

71 - (قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) : كذَا وقعَ هُنَا في جميع النسَخ بلفظِ: (قَالَ) ، لم يُذكر فيه لفظُ السَّماعِ، وجاءَ في «مُسْلِمٍ» فيه: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ) ؛ بلفظِ التَّحْدِيث، وأثْبَتَهُ الدِّمْيَاطِيُّ بنسخةٍ هُنا، وقد اتَّفَقَ أصحابُ الأطرَافِ وغيرُهم على أنَّه مِن حديثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ، وقد وقعَ في «البُخَارِيِّ» مثلُ هذا في كتاب (التَّوْحِيدِ) في (بابِ قوله عليه السَّلام: «رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ» ) ، فقال فيه: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: ... ) وذكَر الحديثَ، ثمَّ قال: (سَمِعْتُ سُفْيَانَ مِرَارًا، لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الْخَبَرَ، وَهُوَ مِنْ صَحِيحِ حَدِيثِهِ) [خ¦7529] ، لكنْ يُمْكِنُ أنْ يُقال: سُفْيَانُ مُدَلِّسٌ، فنبَّه عليه لأجلِ ذلك، قالَه ابْنُ المُلَقِّن.

وقد وقعَ في (بابِ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ) : (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ: حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ) [خ¦97] .

(خَيْرًا) : فائدةُ تَنْكيرهِ التَّعْميِم؛ لأنَّ النَّكِرَة في سياقِ الشرطِ كالنَّكرةِ في سياقِ النَّفْي، فالمعنى: مَن يُرِدِ اللهُ بهِ جميعَ الخَيْرَاتِ.

(يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) ؛ أي: يجعله اللهُ تعالى عالمًا بأحكامِ الشريعةِ، ومُسْتنبِطًا لها، ومستخرِجًا للمعاني الكثيرة مِنَ الألفاظِ القليلة.

(وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) : هو مَا يُلْقَى إليهم مِن العِلمِ والحِكْمَة، والمُعْطَى في قوله: (وَاللهُ يُعْطِي) : هو الفَهْمُ الذي يُهْتَدَى بهِ إلى المعَاني المُسْتَتِرَةِ تحت نَظْمِ القرآن والسنَّة، ومعناهُ: أنَا أُخْبِرُ بما يُوحَى إليَّ مِنَ القرآن وغيره، ولا أُرَجِّحُ أحَدًا على غيره في قِسْمَةِ مَا أُوحِيَ إليَّ، بل أُسَوِّي في الإِبْلَاغِ، وأمَّا التفاوُتُ الواقعُ بينَكم في الفَهم وغزارةِ العِلم؛ فإنَّما هو واقعٌ مِن طريقِ العطاءِ، فبعضُكم يحفظُ مَا أقولُ ولا يَنْسَاهُ، وبعضُكم يَنْسَاهُ، وبعضُكم يستنبطُ المعاني الكثيرة، وبعضُكم لا يتعدَّى الظَّاهر، وذلك فَضْلُ اللهِ يؤتيه مَن يشاء.

إن قلت: (إِنَّمَا) تفيدُ الحَصْرَ، فمعناهُ: مَا أنَا إلَّا قاِسمٌ، وهذا كيف يصحُّ وله صفاتٌ أُخْرَى؛ مثل كونِهِ رسُولًا ومبشِّرًا ونذِيرًا؟

قلت: الحَصْرُ إِنَّمَا هو بالنِّسْبَةِ إلى اعتقادِ السَّامِعِ، وهذا وَرَدَ في مقامٍ كان السَّامِعُ مُعْتَقِدًا كَوْنَهُ مُعْطِيًا، فَلَا ينتِفي إلَّا ما اعْتَقَدَهُ السامِعُ، لَا كُلُّ صِفَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ، وحينئذٍ إنِ اعتقدَ أنَّه مُعْطٍ لا قَاسِم؛ فيكون مِن بابِ قَصْرِ القَلْبِ؛ أي: مَا أنَا إلَّا قَاسِمٌ؛ أي: لَا مُعْطٍ، وإنِ اعتقدَ أنَّه قاسمٌ ومعطٍ؛ فيكونُ مِن قَصْرِ الإِفْرَادِ؛ أي: لَا شِرْكَةَ في الوَصْفَين، بل أنَا قَاسِمٌ فقط.

(وَاللهُ يُعْطِي) : تقديمُ لَفْظِ (اللهِ) مُفِيدٌ للتَّقْوِيَة عند السكَّاكِيِّ، ولا يحْتمل التخصِيص؛ أي: اللهُ يُعطي لا مَحالة، وعند الزَّمَخْشَرِيِّ يَحتملُه أيضًا، وحينئذٍ يكونُ معناهُ: اللهُ يُعطِي لَا غَيْرُهُ، وهو جملةٌ حاليَّةٌ.

إن قلت: مَا مَعنى الحَصْرِ؟

قلت: الحَصْرُ بِـ (إِنَّمَا) دائمًا هو الحَصْرُ في الجُزء الأخيرِ، فيكون معناهُ: مَا أنا قَاسِمٌ إلَّا في حالِ إعطاءِ اللهِ، لا في حالٍ غيرهِ، وفائدةُ حَذْفِ مَفْعُولِ (يُعْطِي) هو جَعْلُه كالفعلِ اللازمِ؛ إعلَامًا بأنَّ المقصودَ منه إيجادُ هذه الحقيقة؛

ص 96

أي: حقيقةِ الإعطاءِ، لا بيانُ المفعولِ؛ أي: المُعْطَى.

و (حَتَّى) غايةٌ لِـ (لَنْ تَزَالَ) ، إن قلت: حُكْمُ مَا بعد الغَايةِ مُخَالفٌ لِما قَبْلها، فيلزمُ منه أنَّ يومَ القيامةِ لا تكون هذه الأمَّة على الحقِّ، وهو باطلٌ!

قلت: ليسَ باطلًا؛ إذِ المرادُ مِنَ (الدِّيْنِ) : التَّكَالِيفُ، ويومُ القيامةِ ليس زمانَ التكَاليفِ، أو يُقَالُ: ليس المقصودُ منهُ معنَى الغَاية، بل هو مذكورٌ لتأكيدِ التَّأْبِيدِ؛ نحو قوله: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود:107] ، ويحتمل أن يكون غايةً لقولِهِ: (لَا يَضُرُّهُمْ) ، بل هو أَوْلَى؛ لأنَّه أَقْرَبُ، وذلك إمَّا بأنْ يكون معنَى (يَأْتِي أَمْرُ اللهِ) : بلاءُ اللهِ، فيضُرُّهُم حينئذٍ، فما بعدَها مخالفٌ لِما قَبْلها، وإمَّا أنْ يكونَ ذِكْرُهُ لتأكيدِ عَدَمِ المَضَرَّةِ، كأنَّه قال: لا يضرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم أبدًا، وعَبَّرَ عنه بقوله: (إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) وهو كقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} [الدخان:56] ؛ يعني: لا يضرُّهُم إلَّا يومَ القِيَامَةِ، ولمَّا لم تكن المَضَرَّةُ يومَ القيامة؛ فكأنَّه قال: لَا يضرُّهُم أَصْلًا.

إن قلت: إذا جاءَ الدجَّالُ وقَتَلَهُم؛ فقد ضَرَّهُمْ.

قلت: على تفسيرهِ ببلاءِ اللهِ ذلك ظَاهِرٌ، وعلى تفسيرهِ بيومِ القِيامَة يقالُ: ذلك ليسَ مَضَرَّةً؛ إذ الشهَادَةُ أعظمُ المَنَافِع مِن جهةِ الآخرةِ.

إن قلت: هل جازَ تنازُعُ الفِعْلَين في (حَتَّى) فَتَتَعَلَّقَ بهما؟

قلت: لا مَحْذُورَ فيهِ.

إن قلت: هل فرقٌ بين (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ) وبينَ (إِلَى أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ) ؟

قلت: الفرقُ أنَّ مَجرورَ (حَتَّى) يجبُ أن يكونَ آخرَ جُزْءٍ مِنَ الشيءِ، أو مَا يُلَاقِي آخِرَ جُزْءٍ منهُ، قال في «الكَشَّافِ» في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ} [الحجرات:5] : (إنَّ «حَتَّى» مُخْتَصَّةٌ بالغَايَةِ المَضْرُوبَةِ _أي: المُعَيَّنَةِ_ تقول: أَكَلْتُ السمَكَة حَتَّى رَأْسها، ولو قلتَ: حَتَّى نِصْفها، أو: صَدْرها؛ لم يَجُزْ، و «إِلَى» عَامَّةٌ في كلِّ غَايَةٍ) .

إن قلت: هل فيه دلالةٌ على حُجِّيَّةِ الإجماعِ؟

قلت: نعَم؛ لأنَّ مَفْهُومَهُ أنَّ الحقَّ لا يعدُو الأمَّة، والجمعُ بين هذا الحديثِ وحديثِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ» ، وحديثِ: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يَقُولَ أَحَدٌ: اللَّهَ اللَّهَ» ؛ معناهُ: لا تقومُ على أَحَدٍ يُوَحِّدُ اللهَ إلَّا بموضعِ كذا، فإنَّ بهِ طائفةً على الحَقِّ، ولا تقومُ إلَّا على شِرارِ الناس بموضعِ كذا؛ إذ لا يجوزُ أن تكونَ الطائفةُ القائمةُ بالحقِّ التي تُوَحِّدُ اللهَ هي شِرَارَ الخَلْقِ، وقد جاءَ ذلك بيِّنًا في حديثِ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ» ، قِيْلَ: وَأَيْنَ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» ، وقال النُّوَوِيُّ: (لا مخالفةَ بين الأحاديثِ؛ لأنَّ المرادَ مِن «أَمْرِ اللهِ» : الرِّيْحُ اللَيِّنَةُ التي تأتي قَرِيْبَ القِيَامَة، فتأخذُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، وهذا قبلَ القِيَامَة، وأمَّا الحديثانِ الآخرانِ؛ فهُمَا على ظاهِرِهِمَا؛ إذ ذلك عندَ القِيَامَةِ، انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت