وقال الترمذي بعد أن أخرجه من حديث جرير: وفي الباب عن عمر، وعلي، وحذيفة، والمغيرة، وبلال، وسعد، وأبي أيوب، وسلمان، وبريدة، وعمرو بن أمية، وأنس، وسهل بن سعد، ويعلى بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأسامة بن شريك، وأبي أمامة، وجابر، وأسامة بن زيد.
ولا يجب، ولا يندب، ولا يمنع، ولا يكره، لكن غسل الرجل أفضل من المسح، كما قاله في آخر صلاة المسافر من «الروضة» ، إلا أن يتركه رغبة عن السنة، أو شكًا في جوازه، أو خاف فوت عرفة، أو استنقاذ أسير، ونحو ذلك؛ فالمسح أفضل كذا قالوه في تصويره جوازه عند الشك، وفي جوازه نظر، فضلًا عن كونه أفضل، واختار ابن المنذر أن الغسل والمسح سواء.
ولو كان المحدث لابس خف بشرطه، ودخل الوقت، ووجد ما يكفيه لو مسح الخف
ص 201
ولا يكفيه لو غسل؛ قال ابن الرفعة: الذي يظهر وجوب المسح؛ لقدرته على الطهارة الكاملة، وبذلك صرح الروياني في «البحر» في باب (التيمم) ، وقال الشيخ أبو محمد: المنصوص أن من أرهقه الحدث ومعه ماء لا يكفيه، ولو تخفف؛ لكفاه أنه يلزمه لبس الخف؛ ليحصل الوضوء، وصحح الشيخان خلافه.
ولا يكره المسح على الخف، لكن حكى في «الكفاية» عن القاضي أبي الطيب أنه مكروه، وهو وهم، فإن ذلك مذهب مالك فقط، وقال ابن الملقن: (الذي استقر عليه مذهب مالك جوازه، وإن حكي عنه روايات في ذلك) .
ولما كان الواجب في الرجل الغسل والمسح بدل عنه؛ عقب به النووي باب (الوضوء) ، وذكره الرافعي عقب التيمم؛ لأنهما مسحان يبيحان الصلاة.
والأصل في مشروعيته: ما رواه البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ ومسح على خفيه) ، ورواه الترمذي بإسناد فيه إبراهيم بن أدهم، وليس في الكتب الستة رواية عن إبراهيم سواه، وفي البخاري: (قال إبراهيم: فكان يعجبهم؛ لأن جريرًا كان من آخر من أسلم) ، قال البيهقي: (إنه ابن أدهم) ، والصحيح: أنه إبراهيم بن يزيد النخعي.
وفي «الترمذي» : (وكان يعجبهم حديث جرير؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة) ؛ لأنها نزلت سنة ست، فلا يكون الأمر الوارد فيها بغسل الرجلين ناسخًا للمسح، كما صار إليه بعض الصحابة.
وروى ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال: (حدثني سبعون من الصحابة أن النبي عليه السلام مسح على الخف) ، ولم ينكره إلا الشيعة، والرافضة، والإمامية، والخوارج، وقال الكرخي من الحنفية: (أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين؛ لأن الأخبار الواردة فيه في حيز التواتر) .
فائدة: رُخَص السفر ثمان؛ أربع تختص بالطويل، وهي: المسح ثلاثًا، والقصر، والجمع، والفطر، وأربع تجوز في القصير والطويل: أكل الميتة، والنفل على الراحلة، وإسقاط الصلاة بالتيمم، وترك الجمعة، وفي كلام الأسنوي زيادة على ذلك.
والأصل في مطلق الرخص: ما روى مسلم عن عائشة قالت: (رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر، فتنزه عنه ناس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب حتى بان الغضب في وجهه، ثم قال: «ما بال أقوام يرغبون عما رخص لهم فيه! فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية» ) .
إشارة: قال في «الإحياء» : يستحب لمن أراد أن يلبس الخف أن ينفضه؛ لئلا يكون فيه حية، أو عقرب، أو شوكة، واستدل لذلك بما رواه الطبراني _قال العراقي: وفي سنده من لا يعرف_ عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما» .
قال بعضهم: وروى الدارقطني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بخفيه يلبسهما، فلبس أحدهما، ثم جاء غراب فاحتمل الآخر ورمى به، فخرجت منه حية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله ... » ؛ الحديث، وفي إسناده: هاشم بن عمرو، ذكره ابن حبان في «الثقات» ، وهو حديث صحيح إن شاء الله تعالى، وروى الطبراني في «معجم الأوسط» ، والبيهقي أيضًا في كتاب «الدعوات الكبرى» من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة أبعد، فذهب يومًا فقعد تحت شجرة، فنزع خفيه، قال: ولبس أحدهما، فجاء طائر فأخذ الخف الآخر، فحلق به في السماء، فانسلت منه أسود سالخ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذه كرامة أكرمني الله بها، اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من شر من يمشي على رجلين، ومن شر من يمشي على بطنه، ومن شر من يمشي على أربع» .
ص 202