فهرس الكتاب
قلت: الحصر إنما هو بالنظر إلى اعتقاد الخصم، إذ هو رد لما اعتقده، والاستثناء مفرغ؛ فمعناه: من لم ير الوضوء من الخروج من مخارج البدن إلا من هذين المخرجين، وهو رد لمن رأى أن الخارج من البدن بالفصد مثلًا ناقض للوضوء، فكأنه قال: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين لا من مخرج آخر، كالمفصد، كما هو اعتقاد السامع.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) ؛ أي: ابن أبي رباح، وقال فيما تقدم: (كان عطاء) ، فههنا أخبر عن إفتاءه، وفيما تقدم عن اجتهاده، أو هو تفنن في الكلام، واختلفوا في الدود يخرج من الدبر، فكان عطاء بن أبي رباح، والحسن، وحماد بن أبي سُلْمى، وأبو مجلز، والحكم، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور يرون منه الوضوء، وقال قتادة ومالك: لا وضوء منه، وروي ذلك عن النخعي وقال مالك: لا وضوء في الدم يخرج من الدبر، قاله ابن المنذر، ونقل أصحابنا عن مالك أن النادر لا ينقض، والنادر كالمذي يدوم لا بشهوة، فإن كان بها؛ فليس بنادر، وكذا نقله ابن بطال عنه، أحتج لمن قال لا ينقض النادر بحديث: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» ، صحيح صححه الترمذي، وبحديث صفوان بن عسال الصحيح: «لكن من غائط، وبول، ونوم» ، ولأنه نادر، فلم ينقض كالقيء وكالمذي، واحتج أصحابنا بحديث علي الآتي، وعن ابن مسعود وابن عباس قالا: (في الودي الوضوء) ، رواه البخاري، ولأنه خارج من السبيل، فينقض كالريح والغائط، ولأنه إذا وجب الوضوء بالمعتاد، والذي تعم به البلوى؛ فغيره أولى.
والجواب عن حديث: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» : أن أجمعنا على أنه ليس المراد به حصر ناقض الوضوء في ذلك، بل المراد: نفي وجوب الوضوء بالشك في خروج الريح.
وأما حديث صفوان؛ فبين فيه جواز المسح، وبعض ما يمسح بسببه، ولم يقصد بيان جميع النواقض، ولهذا لم يستوفها، ألا تراه لم يذكر الريح وزوال العقل، وهما مما ينقض بالإجماع.
وأما القيء؛ فلأنه من غير السبيل، فلم ينقض
ص 180
كالدمع.
وأما سلس المذي؛ فللضرورة، ولهذا نقول: هو محدث، ولا يجمع بين فرضين، ولا يتوضأ قبل الوقت.
(وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله) : رواه البيهقي: (سئل جابر ... ) ؛ فذكره، ورواه أبو شيبة عن يزيد أبي خالد عن أبي سفيان مرفوعًا، واختلف في متنه، والموقوف هو الصحيح، ورفعه ضعيف، لا جرم اقتصر البخاري على الوقف، وكذا قال الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري: هذا حديث منكر، والصحيح عن جابر خلافه.
وفي لفظ عن جابر: (لا يقطع التبسم الصلاة حتى يقرقر) ، قال البيهقي: وروينا عن عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وأبي أمامة الباهلي ما يدل على ذلك، وهو قول الفقهاء السبعة، وقول الشعبي، وعطاء، والزهري، وهو إجماع فيما ذكره ابن بطال وغيره، وإنما الخلاف في نقض الوضوء به، فذهب مالك، والليث، والشافعي إلى أنه لا ينقض الوضوء، وذهب النخعي والحسن إلى أنه ينقض، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي.
وحجة من لم يره حدثًا: أنه لما لم يكن حدثًا في غير الصلاة؛ لم يكن حدثًا فيها، وحديث أبي المليح عن أبيه، وأنس، وعمران، وأبي هريرة ضعفها كلها الدارقطني، وقال: إنه يدور على أبي العالية؛ يعني: مرسلًا، وهو الصواب.
(وَقَالَ الْحَسَنُ:) ؛ أي: البصري (إِذا أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ) : قال ابن الملقن: هذا أسنده ابن أبي شيبة، وذكره أيضًا عن الحكم، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وابن عمر، وعن علي، ومجاهد، وحماد: يعيد الوضوء، وعن إبراهيم: يجري عليه الماء، وقال ابن بطال: ما ذكره عن الحسن هو قول أهل الحجاز والعراق، وروي عن أبي العالية، والحكم، وحماد، ومجاهد: إيجاب الوضوء في ذلك، وقال عطاء، والشافعي، والنخعي: يمسه الماء، انتهى، ومذهب الشافعية: لو قطعت يده أو رجله، أو حلق شعره، أو قلم أظفاره بعد تطهر ذلك العضو؛ لا يلزمه إعادة غسلها، ولا مسحه، وقال محمد بن جرير: تلزمه الإعادة، كماسح الخف إذا نزعه؛ يلزمه غسل الرجلين، وهو غير صحيح؛ لأن الخف ليس من أصل الخلقة، في «الوسيط» نسبة ذلك إلى ابن جبران فلم ينص أن يكون وجهًا في المذهب، وليس كذلك؛ لأن ابن جرير مجتهد، فلا يعد خلافه وجهًا في المذهب، ووقع له نظير ذلك في أول كتاب (الزكاة) ، فلو غسل يديه إلا شعرة، ثم نتفها، إن كان الماء وصل أصلها؛ أجزأه، وإلا؛ لزمه إيصاله إليه، وفي «فتاوى ابن الصباغ» : يجب غسل ما ظهر، وهو الأصح، وفي «البيان» : وجهان: يجب، لا يجب لفوات ما وجب غسله كمن ترك رجله في الوضوء؛ فقطعت أو خلع جنبه فلا وضوء عليه، وقال النووي: ومن نزع وهو بطهر المسح؛ غسل قدمه، وفي قول: يتوضأ، انتهى، إذا خلع خفيه وهو بطهر المسح؛ ففيه أربعة أقوال للعلماء، واختار النووي في «شرح المهذب» أنه لا شيء عليه، ويصلي كما هو، وهو محكي عن الأستاذ أبي إسحاق الاسفراييني، وهو غريبٌ نقلًا، مختارٌ دليلًا.
وإذا انقضت مدة المسح؛ ليس له أن يصلي بعد ذلك بحكم المسح، ونقل المتولي وغيره عن الحسن البصري: أن له أن يصلي ما لم يحدث، واختاره ابن المنذر والنووي في «شرح المهذب» ، ويقال: إن أبا إسحاق حكاه وجهًا لبعض أصحابه، وقال الأذرعي: ذهب الحسن البصري وغيره أنه إذا نزع، أو انقضت مدة المسح، وهو على طهر المسح؛ أن له أن يصلي ما لم يحدث، واختاره ابن المنذر، وقال النووي: إنه المختار الأقوى، ويقال: إن الأستاذ أبا إسحاق حكاه وجهًا لبعض أصحابه، وهو ظاهر مع بقاء اللبس، أما مع النزع؛ ففيه نظر، والله أعلم
والأقوال الأربعة المذكورة آنفًا:
الأول: استئناف الوضوء من أوله، وبه قال مكحول، وابن أبي ليلى، والزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في القديم.
الثاني: يغسل رجليه مكانه، فإن لم يفعل؛ استأنف الوضوء، وبه قال مالك والليث.
الثالث: يغسلهما إذا أراد الوضوء، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، والمزني، وأبو ثور.
الرابع: لا شيء عليه، ويصلي كما هو، وتقدم الكلام عليه، وهو قول الحسن، وقتادة، وروي مثله عن النخعي، وفي «أحكام عبد الحق» _قال والدي رحمه الله تعالى: وأظنها الوسطى_: عن عبد الرزاق في «مصنفه» ، حدثنا معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي ظبيان الجنبي قال: رأيت عليًّا بال حتى أرغى، ثم توضأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه وجعلهما في كمه، ثم صلى، قال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل صنيع هذا.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) : قال الكرماني: إن قلت: هذا قول كل الأئمة، فما وجه تخصيصه بأبي هريرة؟
قلت: إنه يفسر الحدث بالضرطة؛ أي: بنحوها من الخارج عن المعتاد؛ فمعناه: لا وضوء إلا من الخارج من السبيلين.
(وَيُذْكر عن جابر) : هذه صيغة تمريض؛ لأنه لم يصح عنده على شرطه، وسيأتي الجواب عن قوله: (ويذكر عن أبي موسى) في باب، وإذا أتى به مجزومًا به؛ كـ (قال) ؛ فإنه يكون صحيحًا عن الذي نقله عنه، ويبقى الشأن فيه إلى من فوقه، فتارة يكون على شرطه، وتارة لا يكون، فإنه لا يجزم بذلك عنه إلا وقد صح عنده ذلك، ثم صحة الحديث أو الأثر مطلقًا يتوقف على ثقة رجاله واتصاله من موضع التعليق، فإن كان فيمن أبرزه من لا يحتج به؛ فليس فيه إلا الحكم بصحته عمن أسند إليه؛ كقوله: (وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده) ، فليس هذا من شرط البخاري قطعًا، ولذلك لم يورده
ص 181
الحميدي في «جمعه بين الصحيحين» ، وإن ورد تمرضًا كالذي نحن فيه، كما قال فيما يأتي: (ويروى عن ابن عباس وجرهد) ؛ لأن هذه الألفاظ استعمالها في الضعيف أكثر، وإن استعملت في الصحيح، وكذا قوله: (وفي الباب) ، فإنه يستعمل في الأمرين معًا، ومع ذلك فإيراده له في أثناء «الصحيح» مشعر بصحة أصله إشعارًا يؤنس به، ويركن إليه، وحمل ابن الصلاح قول البخاري: (ما أدخلت في «كتاب الجامع» إلا ما صح) ، وقول الأئمة في الحكم بصحته على أن المراد مقاصد الكتاب، وموضوعه، ومتون الأبواب دون التراجم ونحوها، والله أعلم
فهذا التعليق أسنده أبو داود، وصححه ابن حبان.
والذي نزفه الدم: عباد بن بشر، والنائم المذكور في أصله: عمار بن ياسر، والسورة التي قال لم أقطعها: (الكهف) ، وقيل: الأنصاري؛ عمارة بن حزم، والمشهور أنه عباد.
و (غزوة ذات الرقاع) : وقع في «كتاب ابن ماجه» أنها في الثامنة، انتهى، وإنما هي في الرابعة، وذكرها البخاري بعد خيبر، وسيأتي ما فيه هناك، إن قدر الله تعالى، وسميت بذلك؛ لأنهم رقعوا فيها راياتهم، ويقال ذات الرقاع: شجرة بذلك الموضع، وقيل: لأن أقدامهم نقبت، فكانوا يلفون عليها الخرق، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى، وقيل: بل الجبل الذي نزلوا عليه كانت أرضه ذات ألوان تشبه الرقاع، وقيل: لأن صلاة الخوف كانت بها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، وفي «سيرة مغلطاي» : لأن بجبل أرضه ملونة.
(وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) : قال الكرماني: هو الباقر، ويحتمل أن يريد به ابن الحنفية، انتهى، وقال والدي: أرجح الاحتمالين أنه الباقر؛ لأنه من فقهاء أهل المدينة وأئمتهم، ولأن وفاته قريبة من وفاة طاووس، بخلاف ابن الحنفية، فإنه متقدم الوفاة عليهما، ولأن البخاري لو أراد ابن الحنفية؛ قدَّمه على طاووس؛ لِقِدَمه، انتهى، وقال شيخنا: هو الباقر، وعزاه لـ «فوائد سمويه» .
إشارة: حديث: (الوضوء من كل دم سائل) له طرق لا يصح منها شيء.
قال ابن الحضار: لا يصح في الوضوء من الدم شيء إلا وضوء المستحاضة.
(ابْنُ أَبِي أَوْفَى) : عبد الله، و (الْحَسَنُ) : البصري.
(إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ) : هكذا رواه المستملي بإثبات (إلا) ، ورواه الكشميهني وأكثر الرواة بغير (إلا) ، والمعروف عن ابن عمر والحسن أن عليًّا غسل محاجمه، وذكره ابن المنذر، فرواية المستملي هي الصواب.