فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 415

(3) (بَابُ أُمُورِ الإِيمَانِ ... ) ؛ الترجمة، أشار البخاريُّ بالآية إلى أصل الحديث وهو عند عبد الرزَّاق من طريق مجاهد: (أنَّ أبا ذرٍّ سأل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإيمان؟ فتلا عليه: {لَيْسَ الْبِرَّ ... } إلى آخره [البقرة:177] ) ، ورجاله ثقات، ومناسبة الآية لحديث الباب أنَّ الآية حصرت التقوى على أصحاب هذه

ص 29

الصفات، والمراد المتَّقون من الشرك والأعمال السيِّئة، فإذا فعلوا وتركوا؛ فهم المؤمنون الكاملون، فالجامع بين الآية والحديث: أنَّ الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلةٌ في مُّسمَّى البرِّ، والحديث ليس فيه التصديق، وهو في «البخاريِّ» يكثر الاستدلال بالمتن الذي يذكر أصله وإن لم يسُقْه تامًّا.

فوائد: ( {لَيْسَ البِرَّ} ) : الجمهور برفع {البِرُّ} ، وحمزة وحفص عن عاصم بنصبه، فقراءة الجمهور على أنَّه اسم {لَيْسَ} ، و {أَن تُوَلُّوا} : خبرها في تأويل مصدر؛ أي: ليس البرُّ توليتَكم، وحمزة وحفص: {البِرَّ} : خبر مُقدَّم، و {أَن تُوَلُّوا} : اسمها في تأويل مصدر، وكلٌّ من القراءتين رجِّحت، و {البِرَّ} : الصدق، والطاعة، والاتِّساع في الإحسان، والزيادة منه، أو ضدَّ العقوق، أو الخير، أو الإكرام؛ ومعناه: ليس البرُّ كلُّه أن تصلُّوا ولا تعملوا غير ذلك.

( {قِبَلَ} ) : منصوبٌ على الظرف المكانيِّ.

( {وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ} ) : أي: برَّ مَنْ آمن، أو ذا البرِّ، فحُذِف المضاف.

( {عَلَى حُبِّهِ} ) : في محلِّ نصبٍ على الحال، العامل فيه {آتَى} ، وفيه خمسةُ أوجه؛ أي: آتى المال حال محبَّته له واختياره إيَّاه.

( {ذَوِي} ) : مفعولٌ ثانٍ، وهل هو الأوَّل، والمال هو الثاني؛ كما هو قول الجمهور، وقدِّم؛ للاهتمام، أو هو الثاني فلا تقديم ولا تأخير؛ كما هو قول السهيليِّ.

الثاني: أنَّه منصوب بـ {حُبِّهِ} على أنَّ الضمير يعود على {آتَى} ، و {الْيَتَامَى} : ظاهره أنَّه منصوب عطفًا على {ذَوِي} ، وقال بعضهم: هو عطف على {القُرْبَى} .

( {وَفِي الرِّقَابِ} ) : متعلِّقٌ بـ {آتَى} ، وفيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون ضميرًا أتى بمعنى فعلٍ يتعدَّى لواحد، فكأنَّه وضع المال في الرقاب، الثاني: أن يكون مفعول {آتَى} الثاني محذوفًا؛ أي: آتى المال أصحاب الرقاب في فكِّها أو تخليصها؛ فإنَّ المراد بهم المكاتَبون، أو الأسارى، أو الأرقَّاء.

( {وَأَقَامَ الصَّلاةَ} ) : عطفٌ على صلة {مَن} ؛ وهو {آمَنَ} و {آتَى} .

( {وَالْمُوفُونَ} ) : في رفعه ثلاثةُ أوجه؛ الأوَّل: أنَّه عطفٌ على {مَنْ آمَنَ} ؛ أي: ولكنَّ البرَّ المؤمنون والموفون، الثاني: هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هم الموفون، وعلى هذين الوجهين فـ {الصابرين} نصب على المدح بإضمار فعل، وهو في المعنى عطفٌ على {مَنْ آمَنَ} ، ولكن لمَّا تكرَّرت الصفات؛ خُولِف بين وجوه الإعراب، الثالث: أن يكون {الْمُوفُونَ} عُطِف على الضمير المستتر في {آمَنَ} ، ولم يحتجْ إلى التأكيد بالضمير المرفوع المنفصل؛ لأنَّ طول الكلام أغنى عن ذلك، وعلى هذا الوجه يجوز في {الصابرين} وجهان؛ النصب بإضمار فعل؛ كما تقدَّم، الثاني: العطف على {ذَوِي القُرْبَى} .

( {إِذَا عَاهَدُوا} ) : {إِذَا} : منصوب بـ {الْمُوفُونَ} ؛ أي: الموفون وقت العهد من غير تأخير الوفاء عن وقته.

( {وَحِينَ البَأْسِ} ) : منصوب بـ {الصَّابِرِينَ} ؛ أي: الذين صبروا وقت الشدَّة والبأساء.

( {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} ) : مبتدأ وخبر،

ص 30

وأتى بخبر {أُوْلَئِكَ} الأولى موصولةً بصلة؛ وهي فعلٌ ماضٍ؛ لتحقُّق اتِّصافهم، وأنَّ ذلك وقع منهم واستقرَّ، وأتى بخبر الثانية بموصولٍ صلتُه اسم فاعل؛ ليدلَّ على الثبوت، وأنَّه ليس متجدِّدًا، بل صار كالسَّجيَّة لهم، وأيضًا فلو أتى به فعلًا ماضيًا؛ لما حَسُن وقوعه فاصلةً، وقدَّم الإيمان؛ لأنَّه رأس الأعمال الدينيَّة، وثنَّى بإيتاء المال؛ لأنَّه أجلُّ شيء عند العرب، وهم يفتخرون به، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت