(مَنْصُورٌ) : هو ابن المعتمر، و (إِبْرَاهِيمَ) : ابن يزيد النخعي.
(لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ) : وما حكاه عن إبراهيم هو ما حكاه ابن المنذر عنه، وفي «مسند الدارمي» عنه: الكراهة؛ أعني: القراءة في الحمام، فيكون عنه خلاف، وحكاها أصحابنا عن أبي حنيفة، ونقلت عن أبي وائل شقيق بن سلمة، والشعبي، ومكحول، والحسن، وقبيصة بن ذؤيب، وقال محمد بن الحسن بعدم الكراهة، ونقله صاحبا «العدة» ، و «البيان» من أصحابنا، وبه قال مالك، ووجهه: عدم ورود الشرع بها؛ فلم تكره كسائر المواضع، وذكر أبو محمد الجويني أن الأشبه بمذهب الشافعي الكراهة، والكراهة هي قضية الصيمري والحليمي، وعدمها تقدم نقله عن صاحب «العدة» ، و «البيان» ، والغزالي قال: لا يقرأ إلا سرًا، وسيأتي كلام النووي وترجيحه عدم كراهة القراءة في الحمام بعد قليل، والشبلي فرق بين أن يكون في مكان نظيف خال من كشف العورة، أم لا.
فحصل في القراءة في الحمام خمس مقالات: الكراهة، خلاف الأولى، الإباحة، التفرقة بين السر والجهر، وبين المكان النظيف الخالي من كشف العورة وغيره، وكذلك لا تكره القراءة في الطريق إذا لم يلته، وكرهها الشعبي في بيت الرحى وهي تدور، وهي مقتضى مذهبنا.
ويباح للرجل دخول الحمام، وعليه غض بصره، وصون عورته، روي أن الرجل إذا دخل الحمام عاريًا؛ لعنه ملكاه، وفي «النسائي» و «الحاكم» عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حرام على الرجال دخول الحمام إلا بمئزر، وحرام على المرأة دخول الحمام إلا نفساء أو مريضة» .
وروي أن النبي عليه السلام دخل حمامًا بالجحفة، وقال ابن الجوزي: لم يدخل النبي عليه السلام حمامًا قط.
وعن أبي هريرة أنه قال: (لا يجوز لنساء المسلمين دخول الحمام إلا عن ضرورة) ، كما روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن عائشة أن النبي عليه السلام قال: «أيما امرأة خلعت ثوبها في غير بيت زوجها؛ فهي ملعونة» ، والأصح في «زيادات الروضة» أنه لا يحرم دخولهن بلا عذر، لكن يكره، وجزم في «الإحياء» بحرمة دخولهن إلا لنفاس أو مرض، وكره أحمد بناء الحمام، وبيعه، وإجارته، وحرمه القاضي من أصحابه، ولم يدخل أحمد حمامًا قط.
(وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) : قوله: (على غير وضوء) متعلق بالكتب فقط لا بالقراءة؛ إذ الخلاف في مسألة القراءة في الحمام إنما هو على الإطلاق؛ نظرًا إلى أن الغالب أن الداخل فيه يكون محدثًا لا أنه مقيد بالحدث.
(وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ، وَإِلَّا فَلَا تُسَلِّمْ) : أما حماد؛ فهو ابن أبي سليمان، و (إبراهيم) : هو ابن يزيد النخعي.
وجزم النووي بكراهة رد السلام في الحمام، واستشكل عليه هذا؛ لأنه رحج عدم كراهة قراءة القرآن فيه.
ومذهب الشافعية: لا يسن ابتداء السلام في الحمام، وكذلك لا على قاضي حاجة _والوجه تحريمه_ وآكل، والضابط في ذلك: أن يكون الشخص على حالة لا تليق بالمروءة القرب منه فيها، فيدخل في ذلك المجامع، والنائم، والناعس، والإمام في الخطبة، وكذا المستغرق القلب بالدعاء، والمراد بالحاجة: البول والغائط.
وعند ابن ماجه وأحمد عن جابر: (مر رجل بالنبي عليه السلام وهو يبول، فسلم عليه، فقال له النبي عليه السلام: «إذا رأيتني على مثل هذه الحالة؛ فلا تسلم علي، فإنك إذا فعلت ذلك، لم أرد عليك» ) ، وفي «شعب الإيمان» أن جابرًا هو الذي سلم.
وأطلق النووي الأكل، وحمله الإمام على مَن اللقمة في فيه، ويعسر عليه الجواب في الحال، والعلة في الحمام: كونه
ص 187
مأوى الشياطين، وليس موضع تحية، ولا يلتحق بذلك السلام عليه في موضع خلع الثياب، ولا يسن ابتداؤه على لاعبي الشطرنج والنرد، روى الآجري عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بالأزلام: الشطرنج والنرد؛ فلا تسلموا عليهم» .
وأما المصلي؛ فأطلق الغزالي أنه لا يسلم عليه، والصحيح: أنه لا يلزمه الرد، وألحق بالمصلي في كراهة السلام عليه الملبي في الحج أو العمرة، والمؤذن والمقيم، لكنهم يردون باللفظ.
وأما القارئ؛ فقال الواحدي: الأولى ترك السلام عليه، فإن سلم عليه؛ كفاه الرد بالإشارة، وضعفه النووي، واختار أنه يسلم عليه، ويلزمه الرد لفظًا.
سؤال: قالوا: يحرم كتابة اسم الله تعالى أو القرآن بنجس، ويكره أن يقرأ القرآن وفمه نجس، ولا بد من الفرق.
إشارة: النهي عن السلام عليهم إما إهانة؛ لكونهم على بدعة، وإما لكونه يستدعي الرد منهم، والتلفظ بالسلام فيه ذكر الله تعالى؛ لأن السلام من أسمائه، أو أن لفظ {سَلامٌ عَلَيْكُمْ} [الأنعام:54] من القرآن، والمتعري عن الإزار مشابه لمن هو في الخلاء، وبهذا التقريب يتوجه ذكر البخاري هذا الأثر في هذه الترجمة، قاله شيخنا.