قال الأسنوي: وما ذكره هو الماشي على القواعد، ولم أر فيه نقلًا صريحًا، ويحتمل أن يقال: يصحُّ بباقي الألفاظ، ويكون كالصلاة المعادة، إذا قلنا ينوي بها الفريضة.
ساق حديث سويد بن النعمان عقب الحديث الأول؛ لينبِّه على أنَّ النبي عليه السلام كان يأخذ بالأفضل في تجديد الوضوء من غير حدث لا أنَّه واجب عليه؛ بدليل حديث سويد.
إشارة: روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن السكن، وضعَّف هذا الحديث الترمذي: أنَّه صلى الله عليه وسلم قال: «من توضَّأ على طهر؛ كتب الله له عشر حسنات» ، فيسنُّ تجديد الوضوء بخلاف الغسل والتيمم؛ لأنَّه كان في أول الإسلام يجب الوضوء لكل صلاة، وسيأتي دليله، فنسخ وجوبه، وبقي أصل الطلب.
وقد أطلق النووي الاستحباب في باب (الغسل) ، وهو محمول على ما قيده في باب (النذر) من «الروضة» و «شرح المهذب» .
والتحقيق أنَّه لا يشرع إلا إذا صلى بالأول صلاة على الأصح، وقيل: إن صلى به فرضًا، وقيل: إن فعل به ما يقصد له، وقيل: إذا فرق بينهما تفريقًا كثيرًا، فإن وصله بالأول؛ كان في حكم غسلة رابعة، وقيل: إن صلى بالأول، أو سجد لتلاوة أو شكر، أو قرأ القرآن في مصحف؛ استحب، وإلا؛ فلا، وصرحوا بكراهة التجديد؛ إذا لم يؤدِّ بالأول شيئًا.
وفي «صحيح ابن خزيمة» : من حديث عامر الغسيل: أنه عليه السلام أُمر بالوضوء عند كل صلاة، طاهرًا أو غير طاهر، فلمَّا شق ذلك عليه؛ أُمِر بالسواك عند كلِّ صلاة، ووضع عنه الوضوء إلا من حدث
ص 209
فكان ابن عمر يرى أنَّ به قوة على ذلك، ففعله حتى مات.
وفي «مسلم» : (أنَّه عليه السلام صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد) ، وقد ذهب جماعة من السلف إلى إيجاب الوضوء لكلِّ صلاة فرض، وقوم ادعوا نسخه يوم الفتح، والإجماع استقرَّ على أنَّه يصلي به ما شاء، وأن تجديده لكلِّ صلاة مندوب، ويحتمل أن يكون ذلك من خصائصه.
قال ابن شاهين: ولم يبلغنا أن أحدًا من الصحابة والتابعين كانوا يتعمدون الوضوء لكلِّ صلاة، يعني إلا ابن عمر، كذا قال.
وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين: (كان الخلفاء يتوضؤون لكلِّ صلاة) .
وقول أنس: (يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ) ، دالٌّ على أنَّ الوضوء من غير حدث غير واجب، وشهد له حديث سويد الذي بعده، وفعل ذلك؛ ليري أمَّته أن ما يلزمه في خاصته من الوضوء لكلِّ صلاة غير لازم.