فهرس الكتاب
(3) (باب قِرَاءَةِ القرآن فِي حَجْرِ امْرَأَتِهِ ... ) الترجمة: قال ابن بطال: غرض البخاري من هذا الباب الدلالة على جواز حمل الحائض للمصحف وقراءتها للقرآن؛ لأن المؤمن الحافظ له أكبر أوعيته، والنبي عليه السلام أفضل المؤمنين _بنبوته حرمة ما أودعه الله من طيب كلامه_ في حجر حائض تاليًا للقرآن، انتهى
قال والدي رحمه الله تعالى: وفي قوله: (وقراءتها للقرآن) أخذ من هذا فيه نظر، انتهى وسيأتي كلام ابن الملقن في بابه.
واعلم أن القديم: أن القراءة لا تحرم عليها، قيل: مطلقًا، وهو مشهور مذهب مالك، وقيل: تخوف النسيان، وقيل: قدر حاجة التعليم إن كانت معلمة، انتهى
و (حَجْرِ) ؛ بفتح الحاء وكسرها.
و (الخَادِمَ) : واحد الخدم، رجلًا كان أو امرأة.
و (أَبُو وَائِلٍ) : شقيق بن سلَمة؛ بفتح اللام، تابعي.
و (أَبو رَزِينٍ) : مسعود بن مالك، وهو مولى أبي وائل شقيق بن سلمة.
قال ابن الملقن:(ووجه مناسبة ذكر البخاري ما ذكر عن أبي وائل في هذا الباب: أنه لما ذكر جواز حمل الحائض العلاقة التي فيها المصحف؛ نظَّرها بمن يحفظ القرآن، فهو حامله؛ لأنه في جوفه.
ووجه مناسبة إدخال حديث عائشة فيه: أن ثيابها بمنزلة العلاقة، والشارع بمنزلة المصحف؛ لأنه في جوفه وحامله).
(سَمِعَ زُهَيْرًا) : هو ابن معاوية بن حديج.
و (يَتَّكِئُ) : مهموز، و (حَائِضٌ) : مهموز أيضًا.
و (فِي) : بمعنى (على) ، قال تعالى: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه:71] ، وقال تعالى: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه:18] ، وفائدة العدول عنه بيان التمكن فيه كتمكن المظروف من الظرف.
و (حَجْرِي) : كذا هنا، ووقع للعذري في «مسلم» : (حجرتي) ، وليس بشيء.
وهنا (حَائِضٌ) ، ووقع لبعض رواة «مسلم» : (حائضة) ، والأفصح حائض.
وقال الكرماني بعد إيراد كلام ابن بطال:(ليس غرض البخاري أن يدل على جواز حمل الحائض المصحف، بل الغرض هو مجرد ما ترجم في الباب عليه، وهو جواز القراءة بقرب موضع النجاسة، وكيف كون المؤمن في حجر الحائض لا يدل على جواز الحمل، ولهذا اتفقوا على جوازه، واختلفوا في جواز الحمل، والسبب فيه: أن الممنوع هو الحمل المخل للتعظيم، ولا إخلال في الاتكاء على الحائض، ولهذا جاز حمل الصندوق الذي فيه الثياب والأمتعة سواه اتفاقًا، ثم إن مثله لا يسمى مسًا ولا حملًا عرفًا، ولا ممنوع سواهما، ثم لا يصح قياس المصحف على الدراهم؛ لأنه لم يثبت فيها القرآن لقصد الدراسة والقراءة، ولهذا لا يجري عليها أحكام القرآن، ولا قياس القراءة على الذكر؛ للفرق الظاهر بينهما من جهات، كقدمه ولكونه من صفات الله تعالى، ثم لا احتجاج بمكتوب هرقل؛ لأنه لم يثبت فيه القراءة، ولأنه كان كقصيدة فارسية فيها ألفاظ غريبة لا يقال إنها عربية؛ إذ الاعتبار بالغالب، ثم جميع هذا الاستدلالات لا تقابل صريح الآية والحديث اللذين ذكرهما الجمهور.
فإن قلت: يحتمل أن يراد به المطهر من الشرك أو الجنابة.
قلت: هو مطلق لا بد أن يحمل على الكامل سيما وقد ذكر بلفظ المبالغة فالمقصود منه المطهر من كل الأنجاس والأحداث).
فائدة: ذكر ابن الملقن أن امرأة وقفت على قوم منهم يحيى بن مَعين _بفتح الميم_، وأبو حنيفة، وخلف بن سالم، وجماعة يتدارسون الحديث، فسألتهم عن الحائض تغسل الموتى، وكانت غاسلة، فلم يجبها أحد منهم، وجعل بعضهم ينظر إلى بعض، فأقبل أبو ثور، فقالوا لها: عليك بهذا المقبل، فسألته، فقال: يجوز لها ذلك؛ لحديث عائشة: «إن حيضتك ليست في يدك» ، فإذا غسلت رأس الحي فالميت أولى، فقالوا: هذا حديث رواه فلان عن فلان، وحدث به فلان، فتحدثوا في إسناده، فقال لهم: أين كنتم إلى الآن، انتهى ما حكاه
ص 233
ابن الملقن، وهذا الذي ذكره غير صحيح، وأين أبو حنيفة وهؤلاء، وذكر أبي حنيفة هنا خطأ، أبو حنيفة توفي سنة (150 هـ) ، ويحيى بن معين ولد في آخر سنة (158) ، وخلف بن سالم توفي سنة (231 هـ) ، ويبعد أن يكون عالمًا في زمن أبي حنيفة يذاكر، وكذا أبو ثور فإنه توفي في صفر سنة (240 هـ) ، وأبو ثور كان من أصحاب أصحاب أبي حنيفة، والله تعالى أعلم.