فهرس الكتاب
(21) (بابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ) : قال ابن العربيِّ: خصَّ كفران العشير من بين أنواع الذنوب؛ لدقيقة بديعة؛ وهو قوله عليه السلام: «لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» ، فقرن حقَّ الزوج على الزوجة بحقِّ الله، فإذا كفرت المرأة حقَّ زوجها، وقد بلغ من حقِّه عليها هذه الغاية؛ كان ذلك دليلًا على تهاونها بحقِّ الله تعالى؛ فلذلك أطلق عليها الكفر، لكنَّه كفرٌ لا يُخرِج عن الملَّة.
وأردف البخاريُّ هذا الباب بالذي قبله؛ لينبِّه على أنَّ المعاصيَ تُنقِص الإيمان، ولا تُخرِج إلى الكفر الموجب للخلود في النار؛ لأنَّهم ظنُّوا أنَّه الكفر بالله، فأجابهم عليه السلام أنَّه أراد كفرهنَّ حقَّ أزواجهنَّ، وذلك لا محالة نقصٌ من إيمانهنَّ؛ لأنَّه يزيد بشكرهنَّ وبأفعال البرِّ، فظهر بهذا أنَّ الأعمال من الإيمان، وأنَّه قول وعمل، وأخرجه هنا أيضًا لينبِّه على أنَّ الكفر قد يُطلَق على كفر النعمة وجحد الحقِّ، وهو أصله في اللغة؛ ككفران العشير والإحسان؛ إذ لم يُرِدِ الكفرَ بالله، فيُفسَّر به كلُّ ما أُطلِق عليه الكفر من المعاصي فيما عُلِم من الأحاديث؛ كقوله عليه السلام [خ¦121] : «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا» ، و «أيُّما عبد أبق من مواليه؛ فقد كفر حتَّى يرجع إليهم» ، و «أمَّا من قال: مُطِرنا بنوء كذا؛ فذاك كافرٌ بي، مؤمنٌ بالكوكب» ، و « [بين الرجل و] بين الشرك والكفر ترك الصلاة» .
(وَكُفْرٍ دون كُفْرٍ) : الكفر أنواع: إنكار، وجحود، وعناد، ونفاق، وقد أطلق الشرع الكفر على ما سوى الأنواع الأربعة، وهو كفران الحقوق والنعم؛ كهذا الحديث وغيره، وهذا مراد البخاريِّ بقوله: (وكفر دون كفر) ، وفي بعض الأصول: (وكفر بعد كفر) ، وهو بمعنى الأوَّل.
خاتمة: إسناد هذا الحديث كلُّه مدنيُّون خلا ابن عبَّاس، لكنَّه أقام بالمدينة.