74 - (عَنْ صَالِحٍ) : ابْنُ كَيْسَانَ.
فائدةٌ: الحِكْمَةُ في كَوْنِهِمَا اجْتَمَعَا بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ: ذُكِرَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ: لأنَّهُمَا بَحْرَانِ في العِلْمِ.
تنبيهٌ: قال الكَرمانيُّ: (احتجَّ مَن قال بنبوَّةِ الخَضِر بقوله: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} [الكهف:82] ، وبكونِهِ أعلَمَ مِن مُوْسَى، والوَلِيُّ لا يكون أعلمَ مِن النبيِّ، وأُجِيبَ: بأنَّه يجوز أن يكونَ قد أوحَى اللهُ إلى نبيِّ ذلك الزمانِ أنْ يأمُرَ الخَضِر بذلك) انتهى.
واعلم أنَّ سببَ تسمِيَتِه: أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ؛ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ خَلْفَهُ خَضْرَاءَ، والفَرْوَةُ: الأرضُ اليابِسة، أو الحَشِيشُ اليابِس، وقيل: إنَّه إذا جلسَ؛ اخْضَرَّ ما حَوله، وقيل: إذا صلَّى؛ اخضرَّ ما حولَه، وفي اسمهِ أقوالٌ: بَلْيَا، يَلْيَا، إيلْيَا، أَرميَا، أَرُوْميَا، إليَاس _ووَهَّاهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ_، إليَسَع _قالَه مُقَاتِلٌ_، أَحْمَد _وَوُهِّيَ_، عَامِرٌ، خَضْرُون، وكُنْيَتُهُ أبُو العَبَّاس، وقيل: إنَّه ابْنُ فِرْعَون، وهذا بَعِيْدٌ، واخْتُلِفَ هل كان وَلِيًّا أو نَبِيًّا؟ واخْتَلَفَ القائلونَ بِنُبُوَّتِه هل كان مُرْسَلًا أَمْ لَا؟ وأَغْرَبُ مَا قيل أنَّه مِن الملائِكة، وهو بَاطِلٌ.
واخْتُلِفَ في حَيَاتِه، وقد أنْكَرَهَا جَمَاعَةٌ، قال ابْنُ الصَّلَاحِ:(هو حَيٌّ عند جماهِير العُلَماء والصالحين، والعامَّةُ معهم على ذلك، وإنَّما شَذَّ
ص 99
بإنكَارِهَا بعضُ المُحَدِّثِين)، ونقَلَه النَّوَوِيُّ عن الأكثرِين، وقيل: إنَّه لا يَمُوتُ إلَّا في آخر الزَمَانِ، وفي «مُسْلِمٍ» في حديث الدجَّالِ: أنَّه يَقْتُلُ رَجُلًا، قال إبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ الفَقِيه: يُقَالُ: إنَّه الخَضِر، وكذلكَ قال مَعْمَرٌ في «مُسْنَدِهِ» ، وحديثُ التَّعْزِيَة: قال السُّهَيْلِيُّ: (وَرَدَ مِن طُرُقٍ صِحَاحٍ) ، وهذا مُصَادِمٌ لكلامِ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
(فَدَعَاهُ) : فسَّرَهُ بعضُهم: بأنَّه قامَ إليه، ويحتمل أن يكونَ المُرَادُ منه النِّدَاءَ.
(فَتَاهُ) : سُمِّيَ فَتَاهُ؛ لأنَّه كان يأخُذُ العِلمَ عنه، أو لأنَّه كان يَخْدِمُهُ وَيَتَّبِعُهُ، وقبرُهُ مشهورٌ بالمقبرة، وفي كلامِِ بعضِهم: دُفِنَ يُوْشَعُ بجبل أَفْرَائِيم، وكان عُمره مئةَ سنةٍ، وعَشْرَ سِنين، وقيل: وعِشرِين.
(الصَّخْرَةِ) : هي دُوْنَ نَهْرِ الزَّيْتِ بالمَغْرِبِ، وقال أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: إِفْرِيْقِيَّة، وقال مُجَاهِدٌ: بين البَحْرَيْنِ، أو بِقُرْبِ أنْطَاكِيَّة.
خاتمةٌ: سيأتي أنَّ السائلَ سَعِيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ عَبَّاسٍ هو المُخْبِر [خ¦122] ، وهُنا ابْنُ عَبَّاسٍ تَمَارَى هو والحُرُّ بْنُ قَيْسٍ، فيَحتمِلُ أنَّ سَعِيْدَ بْنَ جُبَيْرٍ سألَ ابْنَ عَبَّاسٍ بعدَ هذه الوَاقعة، فأخبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لمَّا سَأَلَهُ عن قولِ نَوْفٍ: إنَّ مُوْسَى ليسَ مُوْسَى بني إِسْرَائِيل، وجاءَ أنَّ السَّائِلَ غيرُ ابْنِ جُبَيْرٍ، رُوِيَ عن سَعِيْدٍ قال: جَلَسْتُ إلى ابْنِ عَبَّاسٍ وعندَه قومٌ مِن أهلِ الكِتَابِ، فقال بعضُهم: يا أبَا عبدِ الله؛ إنَّ نَوْفًا ابْنَ امْرَأَةِ كَعْبٍ يزعُمُ عن كَعْبٍ أنَّ مُوْسَى النبيَّ الذي طلبَ العِلمَ إنَّما هو مُوْسَى بْنُ مِيْشَا، فقال ابْنُ عَبَّاسٍ: (كَذَبَ نَوْفٌ، حَدَّثَنِي أُبَيُّ ... ) ، وذكر الحديث.
تتمَّةٌ: قال أبُو حَامِد الأنْدَلُسِيُّ: رَأَيْتُ سَمَكَةً بِقُرْبِ مَدِينة سَبْتَة مِن نَسْلِ الحُوْتِ الذي أَكَلَ منهُ [مُوْسَى] وفَتَاهُ، فأحْيا اللهُ بِضْعَهُ، فاتَّخَذَ سبيله في البحرِ سَربًا، ونسلُها في البحر إلى الآن في ذلك الموضِع، وهي سَمَكَةٌ طولُها أكثرُ مِن ذِرَاعٍ، وعرضُها شِبْرٌ واحدٌ، أَحَدُ جانبَيها شَوْكٌ وعَظْمٌ، وجِلْدٌ رَقِيقٌ على أَحْشَائِهَا وعَيْنِهَا، ورَأْسُهَا نِصْفُ رَأْسٍ، مَن رَآهَا مِن هذا الجانبِ؛ اسْتَقْذَرَهَا، ويحسَب أنَّها مأكولةٌ مَيْتَة، ونِصْفُهَا الآخَرُ صحيحٌ، والناسُ يتبرَّكُون بها، ويُهْدُونَها إلى الأماكنِ البعيدة، قال ابْنُ عَطِيَّة: وأنا رأيتُه كذلك.
ومِن غريبِ ما رُوِيَ في «البُخَاريِّ» عن ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّ الحُوتَ إنَّما حَيِيَ؛ لأنَّه مَسَّ ماءَ الحَيَاةِ؛ عَيْنٌ هنالك تُدعى عَين النَّجَاةِ، ما مَسَّتْ شيئًا قَطُّ إلَّا حَيِيَ، ومِن غَرِيبِهِ أيضًا: أنَّ بعضَ المُفَسِّرِينَ ذكرَ أنَّ مَوضع سُلُوكِ الحُوتِ عادَ حَجَرًا طَرِيقًا، وأنَّ مُوسَى مَشَى عليه مُتَّبِعًا الحُوتَ، حتَّى أفْضَى به ذلك الطريقُ إلى جزيرةٍ في البَحْرِ، وفيها وَجَدَ الخَضِر، وكانَ أبُو الفَضْلِ الجَوْهَرِيُّ يقول في وَعْظِهِ: (مَشَى مُوْسَى عليه السَّلام للمُنَاجَاةِ أربَعِين يَومًا لم يَحْتَج إلى طَعامٍ، ولمَّا مَشَى إلى بَشَرٍ؛ لَحِقَهُ الجُوعُ) .