فهرس الكتاب
79 - (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) : الحَارِثُ أو عَامِرٌ.
(عَنْ أَبِي مُوسَى) : عَبْدُ اللهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ حَضَّارٍ.
(نَقِيَّةٌ) : بنونٍ مَفْتُوحَة، ثمَّ قافٍ مَكْسُورَة، ثمَّ تاءٍ مثنَّاةٍ؛ كَـ (عَطِيَّة) ، ورواهُ الخطَّابيُّ وغيرُه: (ثُغْبَة) ، قال: (وهو مستنقعُ الماء في الجبَالِ والصخُورِ) ، قال عِيَاضٌ: (وهو تَصْحيفٌ) .
(قَبِلَتِ) : بالموحَّدة بعد القَافِ.
و (الْكَلأَ) : مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ، يقعُ على الرَّطْبِ واليَابِسِ مِن النبَاتِ.
(وَالْعُشْبَ) : هو مِن بابِ عَطْفِ الخَاصِّ على العَامِّ.
(أَجَادِبُ) : بالجيمِ والدَّالِ المُهْمَلة، وفيه رِوَايَة ثَانِيَة: بالمُعْجَمة، حكَاهَا عِيَاضٌ والخطَّابِيُّ، وقال: (هي صِلَابُ الأرضِ التي تُمْسِكُ الماءَ) ، قال عِيَاضٌ: (لم يُرْوَ هذا الحرفُ في «مُسْلِمٌ» وغيره إلا بالدَّالِ المُهْمَلة؛ مِن «الجَدْبِ» الذي هو ضِدُّ الخِصْبِ) ، وصَحَّفه بعضُهم: ؛ بالحاء والرَّاءِ المُهْمَلتين، وقال بعضُهم: (؛ بالجيمِ والرَّاء والدَّالِ، وهو صحيحُ المعنَى إنْ ساعَدَتْهُ الرِّوَاية) ، وقال بعضُهم: (إنَّما هي ؛ بالخاء والذَّال المُعْجَمتين، سقط منها الألفُ، جمعُ «أَخَاذَة» ، وهي المسَّاكَاتُ التي تُمْسِكُ الماء كالغُدْرَانِ) .
و (الطَائِفَة) : القِطْعَة.
(القِيعَان) : بكسرِ القافِ، جمعُ (قَاعٍ) : الأرضُ المُسْتَويَة أو المَلْسَاء، أو التي لَا نَبَاتَ فيها.
وفي قولِ إسحاقَ: (قَيَّلَتِ) : قيَّده الأصِيليُّ بالمُثَنَّاة تَحْت، قال: وهو تَصْحِيفٌ مِنْهُ، وإنَّما هو بالباءِ المُوَحَّدة، وقال غيرُه: معناهُ: شَرِبَت القَيْلَ؛ وهو شُرْب نصف النَّهَارِ، وقيل: معناهُ: جَمَعَتْ وحَبَسَت.
قال عِيَاضٌ: (ورواهُ سائرُ الرُّواةِ غير الأصِيليِّ: «قَبِلَت» _يعني: بالموحَّدة_ في المَوْضِعين؛ أوَّل الحديث وفي قولِ إسحاقَ) ، فَعَلَى هذا إنَّما خالَفَ إسحاق في لفظِ (طَائِفَةٌ) جَعَلَهَا مَكانَ (نَقِيَّة) ، والله تعالى أعلم.
(وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى الله) : اكتفَى بذكرِ (الهُدَى) عن (العِلْمِ) ؛ لأنَّ نَفْيَ قَبُولِه مُسْتَلْزِمٌ لنفيِ قَبُولِ العِلْم.
وإنَّما ضَرَبَ المثلَ بالغَيْثِ؛ للمشابهةِ التي بينهُ وبين العِلم، فإنَّ الغيثَ يُحْيِي البلدَ المَيِّتَ، والعِلم يُحْيِي القَلبَ المَيِّتَ.
قال الخطَّابِيُّ: (هذا المَثَلُ ضُرِبَ لمن قَبِلَ الهدى وعَلِمَ، ثم علَّم غيره، فنفعهُ اللهُ ونفعَ به، ولمنْ لم يَقْبَل الهُدى، فلم يَنْتَفِعْ بالعِلم، ولم يُنْتَفَع بهِ) .
أقول: فعَلَى هذا التَّقْرِيرِ لم يحصُل الناس ثلاثة أنواعٍ، بل نَوْعَان، قال الطِّيبِيُّ:(والقِسْمَةُ الثانيةُ هي المُتَصَوَّر؛
ص 102
وذلك أنَّ «أَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً» معطوفٌ على «أَصَابَ أَرْضًا» ، و «كَانَتْ» الثانية معطوفةٌ على «كَانَتْ» لا عَلى «أَصَابَ» ، وقُسِمَت الأرضُ الأُولى إلى النَّقِيَّةِ وإلى الأَجَادِبِ، والثانية على عَكْسِهَا، فالوَاوُ في «وَكَانَتْ» ضَمَّت وِتْرًا إلى وِتْرٍ، وفِي «أَصَابَ» شَفْعًا إلى شَفْعٍ، وهو نحوُ قوله: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب:35] مِن جِهِةِ عَطْفِ الإناثِ على الذُّكُورِ أوَّلًا، ثمَّ عطفِ الزَّوجَين على الزَّوجَين، وكذا هَهُنَا: عَطَفَ «كَانَتْ» على «كَانَتْ» ، ثمَّ عَطَفَ «أَصَابَ» على «أَصَابَ» .
فالحاصِلُ: أنَّه قد ذُكِرَ في الحديث الطَّرَفَانِ: العَالِي في الاهتِدَاءِ، والغَالِي في الضَّلَالِ، فعَبَّر عمَّن قَبِلَ هُدَى اللهِ والعِلْمَ بقولِه: «فَقِهَ» ، وعمَّن أَبَى قَبُولهما بقوله: «لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا» ؛ لأنَّ مَا بعدَهما _وهو «نَفَعَهُ ... » إلى آخرِه في الأوَّل، و «لَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ ... » إلى آخره في الثاني_ عَطْفٌ تفسيريٌّ لـ «فَقِهَ» ولقولِه: «لَمْ يَرْفَعْ» ، وذلكَ لأنَّ الفَقِيْهَ هو الذي عَلِمَ وعَمِلَ، ثم علَّم غيره، وتركَ الوَسَطَ، وهو قسمان؛ أَحَدُهُمَا: الذي انتفعَ بالعِلْمِ في نفسِهِ فَحَسْب، والثاني: الذي لَمْ يَنْتَفِع هو بنفسِه ولكنْ نَفَعَ الغَيْرَ) .
قال المُظْهِرِيُّ: (اعلم أَنَّه ذَكَرَ فِي تَقْسِيم الأَرْضِ ثَلَاثَة أَقسَام، وَفِي تَقْسِيم النَّاس بِاعْتِبَارِ قَبُولِ العِلْمِ قِسْمَيْنِ؛ أَحدُهُمَا: مَنْ فَقِهَ ونفعَ الْغَيْر، وَالثَّانِي: مَن لَمْ يَرْفَع بِهِ رَأْسًا، وَإِنَّمَا ذَكَره كَذَلِك؛ لِأَنَّ القِسْمَ الأوَّلَ وَالثَّانِيَ مِن أَقسَامِ الأَرْضِ كَقِسْمٍ وَاحِدٍ؛ مِن حَيْثُ إِنَّه يُنْتَفَعُ بِهِ، وَالثَّانِي: هُوَ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، وَكَذَلِكَ النَّاسُ قِسْمَانِ: مَنْ يَقْبَل وَمَنْ لَا يَقْبَل، وَهَذَا يُوجِبُ جَعْلَ النَّاسِ فِي الحَدِيثِ على قِسْمَيْنِ: مَنْ ينْتَفع بِهِ وَمَن لَا ينْتَفع، وَأمَّا فِي الْحَقِيقَةِ؛ فَالنَّاسُ على ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ: فَمِنْهُم مَن يَقْبَل مِنَ الْعِلْمِ بِقَدْرِ مَا يَعْمَل بِهِ وَلم يَبْلُغْ دَرَجَةَ الإِفَادَةِ، وَمِنْهُم مَنْ يَقْبَل ويُبَلِّغ، وَمِنْهُم مَن لَا يَقْبَل) .
أقول: ويَحْتمِلُ لَفْظُ الحديثِ لتَثْلِيْثِ القِسْمَةِ في النَّاسِ أيضًا؛ بأنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ لَفْظِ (نَفَعَهُ) كلمةُ (مَنْ) ؛ بقرينةِ عَطْفِهِ على (مَنْ فَقِهَ) ؛ كما جاء في قولِ الشَّاعر: [البَحْر الوَافِر]
~أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ؟
إذْ تَقْدِيرُه: ومَن يَمْدَحُهُ، وحينئذٍ يكونُ الفَقِيهُ بمعنى العَالم باللَّفْظِ مَثَلًا، وفي مُقَابِلِهِ: (الأَجَادِبْ) ، و (النَّافِعُ) في مُقَابِلِهِ: (النَّقيَّة) ، على اللَّفِّ والنَّشْرِ الغَيْرِ المُرَتَّبَيْنِ، و (مَنْ لَمْ يَرْفَعْ) في مقابِلِهِ: (القِيْعَانِ) .
إن قلت: لمَ حُذِفَ لفظُ (مَنْ) ؟
قلت: إشعارًا بأنَّهُمَا في حُكْمِ شيءٍ واحدٍ؛ أي: في كَوْنِهِ ذَا انتفاعٍ في الجُمْلة؛ كما جعلَ للنَّقِيَّة والأَجَادِبِ حُكمًا وَاحدًا؛ ولهذا لَمْ يُعْطَف بلفظِ (أَصَابَ) في الأَجَادِب.
وكرَّرَ لفظَ (مَثَلُ) في (مَنْ لَمْ يَرْفَعْ) ؛ لأنَّه نوعٌ آخرُ مقابلٌ لِمَا تقدَّم، والحديثُ له تشبيهاتٌ متفرِّقَةٌ متعدِّدَةٌ باعتبارِ الأَجْزَاءِ؛ كَتَشْبِيْهِ مَا بَعَثَهُ اللهُ به بالغَيْثِ الكَثِيْرِ، وكَتَشْبِيهِ أَنْوَاعِ الأَرْضِ بأنواعِ الناسِ، والأوَّلُ مِن تشبيهِ المَعْقَوْلِ بالمَحْسُوسِ، والثاني مِن تَشْبِيهِ المَحْسُوسِ بالمَحْسُوسِ،
ص 103
ويحتمل أن يكونَ تَشْبِيهًا وَاحِدًا مِن بابِ التَّمْثِيلِ؛ أي: تشبيهُ صِفَةِ العِلْمِ الوَاصِلِ إلى أنواعِ الناسِ مِن جِهَةِ اعتبارِ النَّفْعِ وعدمِه بصفةِ المَطَرِ المُصِيبِ إلى أنواعِ الأرضِ مِن تلكَ الجِهَةِ، و (ذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ) : هو تشبيهٌ آخرُ، وذلك كالنتيجةِ للأَوَّلِ، ولبيانِ المقصودِ به.
خاتمةٌ: قوله: (قَالَ إِسْحَاقُ) : الأشبهُ أنَّه ابْنُ رَاهُوْيَه، ويحتمل أنْ يُرَادَ به إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ السَّعْدِيُّ، أو إِسْحَاق بْن مَنْصُورٍ الْكَوْسَجُ، انتهى.
وقال ابن المُلَقِّن: (ويَظْهَرُ أنَّه [ابْنُ] رَاهُوْيَه) .
إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهُوْيَه: وُلِدَ مَثْقُوْبَ الأُذُنَيْنِ.