فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 415

86 - (وُهَيْبٌ) : تَقَدَّم [خ¦84] ، و (أَسْمَاءَ) : أُخْتُ عَائِشَةَ لِأَبِيهَا.

إشارةٌ: مَا يقولُهُ أهلُ الْهَيْئَةِ: (إِنَّ الْكُسُوفَ سَببهُ حُلُولُ الْقَمَرِ بَينَهَا وَبَينَ الأَرْضِ، وذلك لَا يكونُ إلَّا فِي آخِرِ الشَّهْرِ عِنْد كَوْنِ النَّيِّرَيْنِ فِي إِحْدَى عُقْدَتَي الرَّأْسِ والذَّنَبِ) : إنْ كَانَ غرضهُم أَنَّه وَاجِبٌ عقلًا وَله تَأْثِيرٌ؛ فَهُوَ بَاطِلٌ، وإنْ كانَ مقصُوْدَهُمْ أنَّ اللهَ تعالى أَجْرَى العَادَةَ بذلك؛ كمَا أَجْرَى باحْتِرَاقِ الْحَطَبِ الْيَابِسِ عِنْد مَسِّ النَّارِ؛ فَلَا بَأْسَ.

وَصَبُّ الماءِ كانَ بعدَ الإِفَاقَةِ مِنَ الغَشي، أو أرادت بـ (الغَشي) : الحالَةَ القَرِيبة منهُ، فأطلَقت الغَشي عليها مَجازًا.

و (الْغَشْيُ) : قال عِيَاضٌ:(روينَاه في «مُسْلِمٍ» وغيرِه بكسرِ الشِّينِ مع تشديدِ اليَاءِ، وإسكانِ الشينِ

ص 106

واليَاء، وهُمَا بمعنى: «الغِشَاوَة» ، ورواه بعضُهم بالعَين المهملة، وليسَ بشيءٍ).

و (تَجَلَّانِي) : عَلَانِي.

إن قلت: لفظُ (الشَّيءِ) أعمُّ العَامِّ، ووقعَ نَكِرَةً هُنَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَلَكِنَّ بعض الْأَشْيَاءِ مِمَّا لم تَصِحَّ رُؤْيَتُهُ.

قلت: قال الأصوليُّون: مَا مِن عَامٍّ إلَّا وَقد خُصَّ إلَّا {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة:282] ، والمُخَصِّصُ قد يكونُ عَقْلِيًّا وعُرْفِيًّا، فَخَصَّصَهُ العَقْلُ بِمَا صَحَّ رُؤْيَتُهُ، وَالعُرْفُ بِمَا يَلِيقُ إبصارُهَا بهِ، ممَّا يتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الدِّينِ وَالْجَزَاءِ وَنَحْوِهِمَا.

وفي هذا الحديثِ دَلَالَةٌ على أنَّه رأَى ذَاتَ اللهِ؛ إِذْ (الشَّيْءُ) يتَنَاوَلُهُ، وَالْعَقْلُ لَا يَمْنَعُهُ، وَالعُرْفُ لَا يَقْتَضِي إِخْرَاجَه، ولفظُ (المَقَامِ) يحتمل المصدرَ والزَّمَان والمَكَان.

وقال بعضُهم: (ويُحتمل أنَّ الرُّؤْيَةَ رُؤْيَا عَيْنٍ، ولا مَانِعَ مِنْهُ، ويحتمل أنْ تكونَ رُؤْيَةَ عِلْمٍ وَوَحْيٍ مُمَثَّلًا لهُ، ويدلُّ لَهُ روايةُ أَنَسٍ في «البُخَارِيِّ» [خ¦749] ، والأَوَّلُ أَشْبَهُ؛ لقوله في بعضِها: «فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا» [خ¦748] ، وتَأَخُّره مَخَافَةَ أنْ تُصِيبَه النَّارُ) ، انتهى.

(يُقَالُ) : هو بيانٌ لقوله: (تُفْتَنُونَ) ، ولهذا لم تدخل الوَاو عَليْهِ.

و (مَا عِلْمُكَ؟) : الخِطَابُ فيهِ لِلْمَفْتُونِ.

إن قلت: لِمَ جَمَعَ أوَّلًا؛ حيثُ قال: (فِي قُبُورِكُمْ) ، وأفردَ ثانيًا؛ حيثُ قال: (وَمَا عِلْمُكَ) ؟

قلت: هو مِنْ مُقَابَلَةِ الجَمْعِ بالجَمْعِ، فَيُفِيدُ التَّوْزِيعَ، فكأنَّه قالَ لِكُلِّ أَحَدٍ: إنَّك تُفْتَنُ في قَبْرِكَ، أو لأنَّ السؤالَ عَنِ العِلْمِ يكونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ بانْفِرَادِهِ واسْتِقْلَالِه، وكذَا لِكُلِّ أَحَدٍ جوابٌ خاصٌّ، بخلافِ الفِتْنَةِ.

فإن قلت: هل يُقَالُ للانتقالِ مِنَ جمع الخِطَابُ إلى مُفْرَدِ الخِطَابِ _كما نحنُ فيهِ_: اِلْتِفَاتٌ؟

قلت: عَرَّفَ بعضُ عُلَمَاءِ المَعَانِي الالْتِفَاتَ بحيثُ يتناوَلُ الانتقالَ مِن صِنْفٍ مِن نَوْعِ الضَّمِيرِ إلى صِنْفٍ آخَرَ مِن ذلكَ النَّوْع؛ كما قال [المَرْزُوقِيُّ] في «شَرْحِ الحَمَاسَةِ» : [من البَسِيط]

~ [أحْيَا أَبَاكُنَّ يَا لَيْلَى الأَمَادِيحُ]

إنَّه الْتِفَاتٌ، وكما في قولِه تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطلاق:1] ونحوه، لكنَّ الجُمْهُورَ على خِلَافِهِ.

إشارةٌ: وَجْهُ الشَّبَهِ بين الفِتْنَتَيْنِ: الشِّدَّةُ والهَوْلُ والعُمُومُ، ولكنْ {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم:27] .

(بِهَذَا الرَّجُلِ) : لَمْ يَقُلْ: بِي؛ لأنَّه حِكَايَةٌ عن قولِ الملائكةِ للمَفْتُون، ولَمْ يَقُلْ: رَسُول اللهِ؛ لِئَلَّا يَتَلَقَّنَ مِنْهُمَا إِكْرَامَ الرَّسُولِ، فَيُعَظِّمَهُ تَقْلِيْدًا لَهُمَا، لَا اعْتِقَادًا.

والشَّكُّ في (الْمُؤْمِنِ) مِن فَاطِمَةَ.

و (ثَلَاثًا) : ذُكِرَ لتَوكِيدِ المَذْكُورِ، فلا يكونُ المَقُولُ إلَّا ثَلاثَ مَرَّاتٍ.

إشارةٌ: في هذا الحديث فوائدُ؛ منها: جَوَازُ التسبِيحِ للنِّسَاءِ في الصَّلَاةِ.

إن قلت: التَصْفِيحُ لَهُنَّ، لا التَّسْبِيحُ، إذا نَابَهُنَّ شيءٌ.

قلت: المقصودُ مِن تخصيصِ التَّصْفِيْحِ بهنَّ ألَّا يَسْمَعَ الرِّجَالُ صَوْتَهُنَّ، وممَّا نَحْنُ فيهِ القِصَّةُ جَرَتْ بين الأُخْتَين، أو التَّصْفِيحُ هُوَ الأَوْلَى لا الوَاجِب.

فائدةٌ: جاءَ في الأحاديثِ أنَّ الكَافِرَ يُفْتَنُ في قَبْرِهِ، ويُسْأَلُ، ويُهَانُ، ويُعَذَّبُ، وقال ابْنُ عَبْدِ البَرِّ:(والآثارُ الدَّالةُ تَدُلُّ على أنَّ

ص 107

الفِتْنَةَ لَا تكونُ إلَّا لمؤمِنٍ أو مُنَافِقٍ، ممَّن كانَ [في الدُّنْيَا] مَنْسُوبًا إلى القِبْلَةِ ودينِ الإسلامِ، ممَّن حَقَنَ دَمَهُ بظاهِرِ الشهَادَة، وأمَّا الجَاحِدُ الكَافِرُ المُبْطِلُ؛ فليسَ ممَّن يُسْأَلُ عن رَبِّهِ ودِينِهِ ونَبِيِّهِ، وإنَّما يُسْأَلُ عن هذا أَهْلُ الإسْلَامِ).

وقال ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أيضًا في حديثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا» : (ومِنْهُم مَن يروِيْهِ: «تُسْأَلُ» ، وعلى هذا اللَّفْظِ يحتمل أن تكونَ هذه الأُمَّة خُصَّت بذلك، وهذا أَمْرٌ لا يُقْطَعُ عليهِ، واللهُ أعلم) .

وقال الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: (وإنَّما سؤالُ المَيِّتِ في هذه الأُمَّة خَاصَّةً) ، انتهى.

والأطفالُ فيهم قولَانِ؛ هل يُمْتَحَنُونَ أم لَا؟ قال القُرْطُبِيُّ:(إنَّهم يُسْأَلُون، وإنَّ ظواهِرَ الأحاديثِ تقتَضِيه.

والذي يُنَجِّي المؤمنَ مِن أهوالِ القَبْرِ وفِتْنَتِهِ خمسةُ أشياءٍ:

الرِّبَاطُ في سبيلِ اللهِ، وفي «التِّرْمِذِيِّ» و «ابْنِ مَاجَه» : المَوْتُ حَالَةَ الرِّبَاطِ، وهو قَيْدٌ في المسألَة.

والقَتْلُ في سَبِيلِهِ.

وقراءَةُ «سورةِ تَبَارَكَ» كُلَّ لَيْلَةٍ؛ كما في «التِّرْمِذِيِّ» ، ورُوِيَ أنَّها المُجَادِلَة، تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا فِي الْقَبْرِ، ورُوِيَ: أنَّ مَنْ قَرَأَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ؛ لَمْ يَضُرَّهُ الفَتَّان.

ومَن قَتَلَهُ بَطْنُهُ، وفيهِ قولَان: الإسهالُ أو الاِسْتِسقَاءُ، والثاني أَظْهَر.

ومَوْتٌ يومَ الجُمُعَةِ أو لَيْلَة الجُمُعَة)، وظاهِرُ كَلامِ القُرْطُبِيِّ أنَّ هؤلاءِ لَا يُسْأَلُون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت