فهرس الكتاب
(1) ( {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} [المائدة:6] ) : قال شيخنا رحمه الله تعالى: استنبط بعض العلماء من قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ} إيجاب النية في الوضوء؛ لأن التقدير: إذا أردتم القيام إلى الصلاة؛ فتوضؤوا لأجلها، ومثله قولهم: إذا رأيت الأمير؛ فقم، أي: لأجله، انتهى
وذهب جماعة من السلف إلى عدم التقدير، وأنه يجب الوضوء لكلِّ صلاةٍ فرض؛ عملًا بظاهر الآية، وذهب قوم إلى أن ذلك كان ثم نسخ يوم الفتح، وضعَّفه في «شرح مسلم» ، وقيل: لا نسخ، بل الأمر به لكل صلاة على الندب؛ لأنه إذا نسخ الوجوب بقي التخيير، ثم أجمع أهل الفتوى بعد ذلك على أنه لا يجب إلا على المحدث، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ولم يبق بينهم اختلاف يذكر.
الموجب للوضوء ثلاثة أوجه: الأول: يجب بالحدث وجوبًا موسعًا، أو لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة، وأصحها: وجوبه بالأمرين، كذا صححه المتولي وغيره.
(وَبَيَّنَ) : قال الكرماني: كان غرضه من (بين) الإشارة إلى أن الأمر من حيث هو لإيجاد حقيقة الشيء المأمور به، لا مقتضيًا للمرة ولا للتكرار، بل محتملًا لهما، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد منه المرة، حيث غسل مرة واحدة واكتفى بها، إذ لو لم يكن الفرض إلا مرة واحدة؛ لم يجز الاجتزاء بها، انتهى
وقال شيخنا: يحتمل أن يشير بالبيان المذكور إلى ما رواه بعد من حديث ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة)
إشارة: شذَّ بعضهم فأوجب الثلاث، حكاه الشيخ أبو حامد وغيره، وحكاه صاحب «الإبانة» عن ابن أبي ليلى، وهو باطل.
(وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَلَاث) : روى ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء، أو تعدى وظلم» ، ثم قال: لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى، وزعم أبو داود أنه من منفردات أهل الطائف، ورواه ابن ماجه كذلك، ورواه أحمد والنسائي بلفظ: «فقد أساء وتعدى وظلم» ، ورواه أبو داود بلفظ: «أو نقص فقد أساء وظلم» أو «ظلم وأساء» ، قال ابن الرفعة: أساء بالنقص عن المرة، وظلم بالزيادة عن الثلاث، وقيل عكسه، وقال شيخنا عن حديث أبي داود: (إسناده جيد، لكن عده مسلم في جملة ما أنكر على عمرو بن شعيب؛ لأن ظاهره ذم النقص من الثلاث، وأجيب: بأنه أمر نسبي، والإساءة تتعلق بالنقص، والظلم بالزيادة، وقيل: فيه حذف تقديره:(من نقص واحدة) ، ويؤيده ما رواه نعيم بن حماد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعًا: «الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، فإن نقص من واحدة أو زاد على ثلاث؛ فقد أخطأ» ، وهو مرسل ورجاله ثقات، وأجيب عن الحديث: بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم مقتصر على قوله: «فمن زاد» فقط، كذا رواه ابن خزيمة وغيره).
(وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ) : هذا من البخاري إشارة إلى نقل الإجماع على منع الزيادة على الثلاث، وقال الشافعي: لا أحب الزيادة عليها، فإن زاد؛ لم أكرهه إن شاء الله تعالى، انتهى
وهل تكره الزيادة أو تحرم؟ أو لا تكره ولا تحرم؟ فيه أوجه، أصحها: أولها، وجزم المتولي بتحريم الإسراف في الماء.
(وَأَنْ يُجَاوِزُوا) عطف تفسيري للإسراف؛ إذ
ص 140
ليس المراد بالإسراف إلا المجاوزة عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
إشارة: لم يذكر في هذا الباب حديثًا؛ لأن المراد من الحديث أعم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذا (وتوضأ) أيضًا حديث، ولا شك أن كلًا منهما بيان للسنة، والمقصود منه: باب ما جاء فيه من السنة، ذكرهما على سبيل التعليق، ولم يوجد لفظ: (باب) قبل لفظ: (ما جاء) في بعض النسخ، وهو مستغن عن تكلف التوجيه.