142 - (إِذَا دَخَلَ) ؛ أي: إذا أراده، وصرَّح به في رواية سعيد.
(الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) : الخطابي: عامة أهل الحديث يقولون: ساكنة الباء، وهو غلط والصواب ضمها، انتهى، التوربشتي: إيراد الخطابي هذا اللفظ في جملة الألفاظ الملحونة نظر؛ لأن الخبيث إذا جمع؛ يجوز أن تسكن الباء للتخفيف، وهذا مستفيض لا يستطيع أحد مخالفته إلا أن يزعم أن ترك التخفيف فيه أولى؛ لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر، وقد حكى السكون أبو عبيد
ص 148
وغيره، بل نقله عياض عن الأكثرين، لكن لا نسلم له ذلك، بل الأكثر على الضم.
و (الخبث) : جمع خبيث، و (الخبائث) : جمع خبيثة، فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، وقيل: الخبْث؛ بالإسكان: الشر، وقيل: الكفر، وقيل: الشيطان، والخبائث: المعاصي، ومن أغرب ما قيل فيه: أنه استعاذ من البول والغائط، فكأنه استعاذ من ضررهما.
خاتمة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط؛ قال: «غفرانك» ) ، رواه الأربعة، وحسَّنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وعن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء؛ قال: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» ) ، رواه ابن ماجه، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المخزومي وهو ضعيف، لكنه في فضائل الأعمال.
و (الأذى) : لفظ جامع لأشياء تؤذي؛ لأنه قذر منتن ومن سبيلٍ مكروه، والعافية: دفاع الله عن العبد، فمعنى (عافاني) ؛ أي: من احتباسه أو من نزول الأمعاء معه، قال الشيخ محب الدين الطبري: يستحب تكرار هذا الذكر ثلاثًا، وفي «مصنفي ابن أبي شيبة وعبد الرزاق» : أن نوحًا عليه السلام كان يقول: (الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فيَّ منفعته، وأذهب عني أذاه) ، وفي «العجالة» : أن لوطًا، وعزاه للمصنفين، وذكر الحكيم الترمذي آدابًا حسنة لقاضي الحاجة، فقال: سمي الخلاء؛ لاسم شيطان موكل بذلك الموضع، اسمه خلاء، وأورد فيه حديثًا مرفوعًا من رواية بريدة قال: فإذا أتيت الخلاء فاعلم أنك تقصد الشيطان فاحذر كيده، وأقل من إتيانه بقلة الطعام، وكن رجلًا مستحيًا من خالقك مستحقرًا لنفسك، فقد قال فضيل بن عياض: (إني لأمقت نفسي من كثرة ترددي إلى الخلاء) ، وغط رأسك حياء من ربك، وامش متواضعًا متفكرًا في نعم الله عليك، حين أطعمك وسقاك، وأخرجه عنك حين آذاك، ولا تعدو إليه عدوًا من غير عذر، فقد روي: (من عدا إليه؛ فكأنما استقبل الشيطان) ، وقف على باب الخلاء وقل: اللَّهُمَّ اجعل دخولي عبرة، وأمط الأذى عني رحمة ترحمني بها، فعن أنس: (أن الشيطان يتباعد إذ ذاك) ، ولا تبصق في بولك ولا على ما يخرج منك من العذرة؛ فقد روي: أنه يبتلى بالوسوسة وصفرة الأسنان، وعن عطاء أنه قال: من بصق على ما يخرج منه، بلي بالدم هو وأولاده أو أحد من عقبه، ولا تستاك على رأس الخلاء، فعن ابن عباس أنه يورث النسيان، وعنه: أن من فعل ذلك فذهب بصره؛ فلا يلومن إلا نفسه، ولا تمتخط، فعن أنس: (أنه يورث الصمم) ، ولا تقلب خاتمك مرة بعد أخرى، فقد روي: (أنه يأوي إليه الشيطان) ، وتقوم موليًا عما يخرج منك، فقد روي: (أن فيه شفاء من تسعة وتسعين داء، أدناها البرص والجذام) ، وتجتهد أن تجعل بينك وبين السماء سترة، فعن الضحاك: (أن من فعل ذلك أمطرت عليه الرحمة من عنان السماء) ، وإذا قمت؛ اعتمد على يمينك، فقد روي عن كعب: أنه يؤتى الحكمة، ولا تنظف فرجك بالأرض، فقد روي عن عقبة بن عامر: (أن الأرض تخاصمه يوم القيامة) ، ولا تقتل قملة
ص 149
بل ادفنها، فقد روى محمد بن علي بن أبي طالب أنه قال: (من قتل القمل وهو على رأس خلائه، بات معه في شعاره شيطان ينسيه ذكر الله أربعين صباحًا) ، ولا تلقي ما تستنجي به على رأس ما يخرج منك من بول أو عذرة، فعن مكحول: (أن من فعل ذلك تدودت أسنانه، وغلبت عليه الرياح) ، ولا تقم حتى تشد سراويلك، فعن قتادة: (أن من داوم على ذلك تدود بطنه، وغلب الدم عليه حتى يكون موته منه) ، ولا تشتغل بشيء من الأعمال، ولا تغمض عينيك، فإن ذلك _أعني: التغميض_ يورث النفاق في القلب، كما قاله الحسن، ولا تحمل الماء معك إلى الخلاء بيسارك، فعن كعب: (أن ذلك فعل الشيطان ويفقد ثواب وضوء، ولا تضع يديك على صدغيك وتجعل رأسك بينهما، فعن أويس القرني:(أن ذلك يورث قساوة القلب والبرص، ويذهب الرحمة والحياء) ، ولا تستند إلى حائط وغيره كفعل الجبابرة والشيطان، فإنه يذهب ماء الوجه وينفخ البطن، بل تقعد على قدميك معتمدًا عليهما، وتأخذ فرجك بين أصبعيك السبابة والوسطى حتى تفرغ، فأما المرأة فإنها تضع أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها، فهو أقطع لبولها وأنظف، كذلك بلغنا عن قتادة: (أنه أمر به الرجال والنساء) ، والرجل يفرج بين رجليه وفخذيه؛ ليستوي ظهره ويخرج بوله مستويًا، وأما المرأة؛ فإنها تضم ركبتيها بعضها إلى بعض فيخرج بولها مستويًا لا يصيبها، وأما البندنيجي من أصحابنا؛ فقال: يضم إحدى فخذيه إلى الأخرى، قال الترمذي: ولا تضع يدك اليسرى على اليمنى؛ فإن ذلك مقعد الشيطان، ولا تضع رأسك على ركبتيك، فقد قال الحسين: بلغني أن من فعل ذلك؛ كان موته بداء البطن، والله تعالى أعلم.
(ابْنُ عَرْعَرَةَ) : محمد، و (موسى) : ابن إسماعيل التبوذكي، و (حماد) : ابن سلمة، وروى أيضًا هذا الحديث حماد بن زيد عن عبد العزيز به، أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، و (سعيد بن زيد) : أخو حماد بن زيد.