فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 415

41 - (يَقُولُ) : إنَّما عدل عن لفظ الماضي إلى المضارع مع أنَّ القضيَّة ماضية، ومع أنَّه هو المناسب لـ (سمع) ؛ لغرض الاستحضار؛ كأنَّه يقوله الآن، وكأنَّه يريد أن يطلع الحاضرين على ذلك القول؛ مبالغةً في تحقُّق وقوع القول؛ وذلك كقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59] ؛ حيث لم يقل: فكان.

(زَلَّفَهَا) : بتشديد اللام ضبطه النوويُّ:

ص 65

قدَّمها، وفي بعض النسخ: أزلفها، ومعناها اكتسبها، وقدَّمها، وقرَّبها قربةً إلى الله تعالى.

(وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ) : إن قلت: السياق يقتضي لفظ المضارع.

قلت: هو لتحقُّق وقوعه كأنَّه واقع؛ نحو: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأعراف:44] .

(إِلَى سَبْعِ مِئَةِ) : بيَّن في الحديث الانتهاء إلى سبع مئة، والله تعالى يضاعف لمن يشاء؛ لأنَّ المتحقَّق هو السبع مئة، والمضاعفة عليها في مشيئة الله تعالى، وسيأتي لهذا بقيَّة.

فائدة: قال ابن بطَّال: حديث أبي سعيد أسقط البخاريُّ بعضه، وهو حديث مشهور من رواية مالك في غير «الموطَّأ» ، ونصُّه: «إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه؛ كتب الله له بكلِّ حسنة كان زلفها، ومحا عنه كلَّ سيِّئة كان زلفها» ، وذكر باقيه بمعناه، قال: (وذكره الدارقطنيُّ في «غرائب حديث مالك» من تسعة طرق، وأثبت فيها كلِّها ما أسقطه البخاريُّ ... ) ؛ إلى آخر كلامه، وقال الدارقطنيُّ: (اتَّفق هؤلاء التسعة؛ ابن وهب، والوليد بن مسلم، وطلحة بن يحيى، وزيد بن شعيب، وإسحاق الفرويِّ، وسعيد الزنبريِّ، وعبد الله بن نافع، وإبراهيم بن المختار، وعبد العزيز بن يحيى، فروَوه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد، وخالفهم معنُ بن عيسى؛ فرواه عن مالك عن زيد عن عطاء عن أبي هريرة) .

خاتمة: اعلم أنَّ هذا الحديث مع حديث حكيم بن حزام ممَّا اختُلِف في معناه، فقال المازريُّ ثمَّ القاضي وغيرهما: الجاري على القواعد والأصول أنَّه لايصحُّ من الكافر التقرُّب، فلا يُثاب على طاعة، ويصحُّ أن يكون مطيعًا غير متقرِّب؛ كنظيره في الإيمان، فإنَّه مطيع به من حيث إنَّه موافق للأمر، والطاعة عندنا مُوافَقة الأمر، ولا يكون متقرِّبًا؛ لأنَّ من شرط التقرُّب أن يكون عارفًا بالمتقرَّب إليه، فيتأوَّل حديث حكيم على أنَّه اكتسب أخلاقًا جميلةً ينتفع بها في الإسلام، أو أنَّه حصل له ثناءٌ جميل، أو أنَّه يُزاد في حسناته في الإسلام بسبب ذلك، أو أنَّه سبب لهدايته إلى الإسلام، وتعقَّبهم النوويُّ فقال: هذا الذي قالوه ضعيفٌ، بل الصواب الذي عليه المحقِّقون_ وقد ادُّعِي فيه الإجماعُ_ أنَّ الكافر إذا فعل أفعالًا جميلةً على جهة التقرُّب إلى الله تعالى؛ كصدقة، وصلة رحم، وإعتاق، وضيافة، ونحوها من الخصال الجميلة، ثمَّ أسلم؛ يُكتَب له كلُّ ذلك، ويُثاب عليه إذا مات على الإسلام، ودليله حديث أبي سعيد، فهو نصٌّ صريحٌ فيه، وحديث حكيم بن حزام ظاهر فيه، وهذا أمر لا تحيله العقول، وقد ورد الشرع به فوجب قبوله، وأمَّا دعوى كونه مخالفًا للأصول؛ فغير مقبولة، وأمَّا قول الفقهاء: (لا تصحُّ العبادة من كافر ولو أسلم؛ لم يُعتَدَّ بها) ؛ فمرادهم: لا يُعتَدُّ بها في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرُّض لثواب الكافر، فإن أقدم قائل على التصريح بأنَّه إذا أسلم؛ لا يُثاب عليها في الآخرة؛ فهو مجازف، فيُرَدُّ قوله

ص 66

بهذه السنة الصحيحة، وقد يُعتَدُّ ببعض أفعال الكافر في الدنيا، فقد قال الفقهاء: إذا لزمه كفَّارة ظهار وغيرها، فكفَّر في حال كفره؛ أجزأه ذلك، وإذا أسلم؛ لا يلزمه إعادتها، واختلفوا فيما لو أجنب واغتسل في كفره، ثمَّ أسلم؛ هل تلزمه إعادة الغسل؟ والأصحُّ: اللزوم، وبالغ بعض أصحابنا فقال: يصحُّ من كلِّ كافر كلُّ طهارة غسلًا كانت أو وضوءًا أو تيمُّمًا، وإذا أسلم؛ صلَّى بها.

ثمَّ الحديث حجَّة لمذهب أهل الحقِّ أنَّ أصحاب المعاصي لا يُقطَع عليهم بالنار، بل هم في المشيئة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت