فحرّكتهم الحمية للانتقام من أولئك الرعاع والأغتام «1» ، وركبوا على سمت بكراباذ «2» لمجاهدتهم. وثار أولئك الأشقياء «3» إليهم متهافتين في الدمار، تهافت الفراش في النار، فلم ينشبوا أن حمل أهل العسكر عليهم حملة واحدة كشفتهم عن رؤوس بلا غلاصم «4» ، وأيد بلا معاصم، ونفوس بلا عواصم. وفرشوا أرض ذلك الفضاء، بجثث القتلى متشحطين في الدماء. وضربت الدور والحوانيت بالنفّاطات «5» ، وبسطت عليهم الأيدي بالغارات. فجرى عليهم ما لم يجر بعد يزيد بن المهلب «6» مثله نكاية رادعة، وعقوبة وازعة قامعة «7» .
وعندها أرسل مشايخ جرجان وصلحاؤها يطلبون الأمان، ويناشدون الله والإيمان.
فكفوا عن القتال، وانكفئوا إلى الرحال؛ فسكن نابض تلك الفتنة، ووقع طائر الهيج واللوثة. واختلف العسكر في الاختيار، فمال القواد وكبار [44 ب] الغلمان الخاصة إلى خراسان، واستحب الدارية «8» الانقطاع إلى فخر الدولة والاختصاص بخدمته. فكتب الصاحب إليهم أجمعين بالتوقف ريثما يلحق بهم الأستاذ أبو علي فيطلق لهم أموالهم، ويحقق في الولايات وزيادة الإقامات آمالهم. فحفّزهم حب خراسان عن التوقف،
(1) جمع أغتم وهو الرجل الأعجمي الذي لا يفصح شيئا. ابن منظور- لسان العرب، مج 12، ص 433 (غتم) .
(2) تنقسم جرجان إلى قسمين: شهرستان (القصبة) ، وبكراباذ. يفصلهما نهر هرند. انظر: الاصطخري- مسالك الممالك، ص 212؛ Hudud al -Alam ,P .133 ؛ المقدسي- أحسن التقاسيم، ص 358؛ مستوفي- نزهة القلوب، ص 181؛ لسترنج- بلدان الخلافة، ص 419.
(3) أهل البلد.
(4) جمع غلصمة وهي رأس الحلقوم. ابن منظور- لسان العرب، مج 12، ص 441 (غلصم) .
(5) أدوات تعمل من النحاس يرمى فيها بالنفط والنار. ابن منظور- لسان العرب، مج 7، ص 416 (نفط) .
(6) أبو خالد يزيد بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي (ت 102 ه) . عنه، انظر: ابن خلكان- وفيات الأعيان، ج 6، ص 278 - 309.
(7) إشارة إلى ما فعله يزيد بن المهلب في فتحه لجرجان سنة 98 ه من إمعان في القتل. انظر: الطبري- تاريخ، ج 6، ص 543؛ ابن أعثم- الفتوح، ج 7، ص 293؛ مسكويه- تجارب الأمم، ج 2، ص 362.
(8) أي الغلمان الدارية.