بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الظاهر بآياته، الباطن بذاته، القريب برحمته، البعيد بعزّته، الكريم بآلائه، العظيم بكبريائه. القادر فلا يمانع، والقاهر فلا ينازع، والعزيز فلا يضام، والمنيع فلا يرام، والمليك الذي له الأقضية والأحكام. الذي تفرّد بالبقاء، وتوحّد بالعزّ والسّناء، واستأثر بأحاسن الأسماء، ودلّ على قدرته بخلق الأرض والسماء. كان ولا مكان ولا زمان، ولا بنيان ولا ملك ولا إنسان، فأوجد المعدوم إبداعا، وأنشأ «1» ما لم يكن إنشاء واختراعا، جلّ و «2» تعالى فيما خلق عن احتذاء صورة، واستدعاء مشورة «3» ، واقتفاء رسم ومثال، وافتقار إلى نظر «4» قياس واستدلال، ففي كل ما أبدع وصنع، وفطر وقدّر، دليل على أنه [2 أ] الواحد بلا شريك ووزير، والقادر بلا ظهير ونصير، والعالم بلا تبصير وتذكير، والحكيم بلا رؤية وتفكير، والحي الذي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شى ء قدير.
رفع السماء عبرة للنظّار، وعلّة للظلم والأنوار، وسببا للغيوث والأمطار، وحياة للمحول «5» والقفار، ومعاشا للوحوش والأطيار. ووضع الأرض مهادا للأبدان، وقرارا للحيوان، وفراشا للجنوب والمضاجع، وبساطا للمكاسب والمنافع، وذلولا لطلّاب الرزق وأرباب البضائع. وأشخص الجبال أوتادا راسية، وأعلاما بادية، وعيونا جارية، وأرحاما لأجنّة الأعلاق حاوية. وجعل البحار مغائض لفضول الأنهار، ومغائر «6» لسيول الأمطار، ومراكب لرفاق التجّار، ومضارب لمصالح الأمصار، ومناجح الأوطار. تحوي من الدرّ والمرجان نباتا، وتنبع من الملح الأجاج عذبا فراتا، وتقذف للآكلين لحما طريا، وتحمل
(1) وردت في ب: أحدث.
(2) الواو إضافة من ب.
(3) وردت في ب: منشوره.
(4) وردت في ب: نظير.
(5) جمع محل بمعنى جدب. ابن منظور- لسان العرب، مج 11، ص 617 (محل) .
(6) وردت في ب: مغايض.