وذوو «1» الحصافة منهم بتلجي «2» شعب الجبل، والاستظهار على الأمير سبكتكين بمناعة أرجائه، وغزارة مائه، وسعة العلوفة من ورائه، [63 ب] وممادته الحرب على إغراء الرجّالة الطوسية بأطراف عسكره مبيتين وخاربين «3» ، ومغيرين وعائثين، إلى أن يدركه الملل، ويلحقه الفشل، ويتفرق عنه الحشر، فعندها يناجزونه على بصيرة، و «4» قوة مريرة، واستماحة خيرة. فشغب من سمع بهذا الرأي من أحداث العسكر، وقالوا: مالنا نطاول القوم، وندافع الوقت؟ لا يعرف الناس أنّا نميل عن المصاولة إلى المطاولة، وعن المساورة إلى المصابرة؟! فها نحن نساقيهم «5» المنية، ونصبحهم منها كأسا رويّة «6» ، فانتفض عليهم التدبير، وصار المأمور هو الأمير، ووثب كلا العسكرين عند انفلاق الصبح إلى الاستعداد للقاء، والاحتشاد لحدة «7» الهيجاء، وأقبلوا على تسوية الصفوف، مشحونة بالألوف، كآجام الليوث من ذبّل القنا والسيوف. وحصّن الأمير سبكتكين مواقف عسكره بنخب فيلته، فحكت تحت التجافيف أطوادا فارعة، وأمواجا متدافعة.
ودنا الفريقان بعضهم من بعض، فلم يرع ميسرة أبي علي إلا رهج «8» ثار عليهم من وراء قرية قرضتهم ذات اليمين، فإذا هم بالأمير سيف الدولة في الطّمّ «9» والرّمّ «10» ، والليل المدلهم، فتزلزلت أقدامهم، وضلت «11» أحلامهم وأفهامهم، ورأوا أن قلب أبي علي قد
(1) وردت في الأصل: ذو، والتصحيح من ب.
(2) اتخاذه ملجأ.
(3) الخارب: سارق الإبل خاصة، ثم نقل إلى غيرها. ابن منظور- لسان العرب، مج 1، ص 348 (خرب) .
(4) إضافة من ب.
(5) وردت في الأصل: نستقيم، والتصحيح من ب.
(6) وردت في الأصل: وريه، والتصحيح من ب.
(7) وردت في الأصل: بحر، والتصحيح من ب.
(8) الغبار. ابن منظور- لسان العرب، مج 2، ص 284 (رهج) .
(9) البحر أو الماء. ابن منظور- لسان العرب، مج 12، ص 370 (طمم) .
(10) الثرى، وقيل: الماء. ابن منظور- لسان العرب، مج 12، ص 254 (رمم) .
(11) وردت في الأصل: ظلت، والتصحيح من ب.