ليتنجّز «1» له من الأمير أبي الحارث ولاية هراة معها رعاية لحق خدمته وقدمته، وسابق مواتّه وأذمّته. فضربه أبو القاسم بأذن مستكّة عن الانتصاح، منسدّة عن الصلاح. وحمله الإدلال بحاله ورجاله على التحكّم والتسحّب، والتمتّع والتعصّب، وأهاب بعسكره إلى الحرب. فاصطبحوا على مساقاة الطعان والضراب، ومعاناة الحراب ببيض الصفاح وزرق الحراب، ذاهلين عن مصرع الغرر، واثقين بمطلع النجح والظفر.
وعبى بكتوزون رجاله الفتّاك، وأشباله الأتراك، في سائر من أظلتهم رايته من قواد الأمير أبي الحارث وأنصاره، والمعتصمين بذمة شعاره، فالتفوا قبالة قرية تدعى بشنجة «2» بظاهر نيسابور، واجتلى أبو القاسم منهم نجوما [86 أ] ورجوما «3» ، ولاقت بكارته «4» الحقاق «5» قروما «6» .
واشتبكت الحرب بينهم نفحا بالمناصل، وضربا بالمعاول «7» ووخزا بأطراف العوامل، واشتعل أصحاب أبي القاسم فيهم كالنار في دقاق العوسج، أو يبيس العرفج، ضربا هبرا، وطعنا نترا، ورميا سعرا، وطرحوا ميمنتهم على ميسرتهم طردا ودحرا، وقهرا وقسرا، حتى إذا ظنوا أن قوادم الهزيمة، قد أفرجت لهم عن خوافي الغنيمة، صك بكتوزون قلب أبي القاسم بحملة أزلقتهم عن المقام، وأعجلتهم «8» للانهزام، فانصاعوا مخذولين مفلولين يقودهم الخجل، ويسوقهم الخوف والوجل، وقبض في منهزمهم على أبي القاسم الفقيه أحد أركان أبي علي «9» في أيامه بمشهور رأيه ودهائه، ومذكور غنائه ومضائه، وعلى عدة من قواده، ووجوه سواده.
(1) وردت في الأصل: للتحر.
(2) وردت في الأصل: بشتجة. ولم أجد ما يمكنني من الجزم بضبطها.
(3) وردت في الأصل: وجوما، والتصحيح من ب.
(4) جمع بكر وهو الفتي من الإبل. ابن منظور- لسان العرب، مج 4، ص 79 (بكر) .
(5) وردت في ب: الحاق. والحقاق صفة للبكارة. ابن منظور- لسان العرب، مج 10، ص 55 (حقق) .
(6) القرم: الفحل، والسيد. ابن منظور- لسان العرب، مج 12، ص 473 (قرم) .
(7) وردت في الأصل: بالمعابل، والتصحيح من ب.
(8) وردت بعدها في الأصل: (عن) زائدة فحذفناها.
(9) السيمجوري، أخي أبي القاسم.