و إكرامه، وإظهار التلطف «1» عليه في مرامه، ما اقتضته جلالة من أصدره، ومساعدة القدر له في كل ما قدّره. وأقام عليه منقولا من مجلس الإيجاب إلى متوسد الإكرام، ومن راحة الإشبال إلى عاتق الإكبار. غير أن بعيد طلوعه عليه وافق [208 أ] منه علة أحدثها سوء المزاح بين ألف الراحة والراح، فأعياه تنجّز المراد على العارض العائق.
و قد كان فخر الملك «2» مقيما ببغداد، وهو الوزير والنصير ومن إليه الرأي والتدبير، فجشم القاضي إلى ما قبله ليتفاوضا فيما يوجب صرف الرأي إليه، وتأريب العقد عليه، فاتفق مع وصوله استئثار قضاء الله تعالى ببهاء الدولة، وانتقال روحه إلى جوار ربه. وبايع الناس ولده الأمير أبا شجاع، ولقّبه القادر بالله أمير المؤمنين، بسلطان الدولة. واستتبّ له طرق الأمر، واعتدل عليه عمود الملك، وجرى له الطير بالإقبال وحسن الفأل. ولما عاد القاضي إلى ما قبله، لم يملك له من ذاته جوابا يغنيه، ولا حوارا يشفيه، إذ كان دونه رسولا إلى أبيه، فصرفه محملا من رسالته في وراثة الود، والوفاء بسالف العهد، واشتراء الخلوص بقاصية الجهد، ما اقتضاه حكم الابتداء بغرس الوداد، واستثمار الوفاء على ظهر البعاد.
و قد كان الأمير أبو الفوارس أخو الأمير سلطان الدولة مقيما بكرمان، فشجر بينهما خلاف اقتضى سلطان الدولة تجريد الجيوش لقصده، واستصفاء تلك النواحي واستخلاصها من يده؛ فنهض هو لمقاومتهم، وكف [208] عاديتهم. وأوقدوا بينهم حربا، أفنت الرجال أكلا وشربا، واجتاحت الأرواح طعنا وضربا. واستمرت الكشفة بأتباع الأمير أبي الفوارس فانقلبوا منهزمين، وأقبل هو نحو سجستان يؤم حضرة السلطان يمين الدولة وأمين الملة ممتطيا رجاءه، ومستنهضا كرمه لردّه وراءه. وقد كان أنهي إلى السلطان خبر إقباله؛ فأمر أبا منصور نصر بن إسحاق النائب عن الأمير أبي المظفر نصر بن ناصر الدين سبكتكين بخدمة استقباله، وتكلّف الواجب من أنزاله، وأنزال من
(1) وردت في ب: التطفل.
(2) وزير الوزراء محمد بن علي بن خلف. انظر: ص 316 من هذا الكتاب، هامش (1) .