فلما سمع الأمير ذلك من كلامه، وأحسّ مصدوقة ما همّ به عند يأسه من مرامه، رأى حظ الدين وأوليائه في موادعته، واستنزاله عن ماله وعدّته، أرجح من تخليته، وما اختاره من التقاطع بالسيوف، والتهافت في الوقود، فواقفه «1» الأمير السيّد يمين الدولة وأمين المّلة على كفّ يد الإرهاق عنه على ألف ألف درهم شاهيّة، وخمسين رأسا من الفيلة ضمنها نقدا، وعلى عدة «2» قلاع، وبلاد في سرّة مملكته، كان اشترطها [17 أ] عليه أن «3» يسلّمها إلى من يتسلّمها من جهته، بعد أن يبعث إليه برهائن «4» من عشيرته وأعزّته، على الوفاء بما يضمنه، والإنجاز لما «5» يعده. وقبض المال والفيلة نقدا، وواقفه على البلاد المذكورة وعدا.
وأرسل معه بمسألته وحاجته دليلين يعدلان به عن التّعسّف «6» ، ويقفان به على القصد في المنصرف. وبعث معه بعدة من ثقاته لتسلّم الأماكن المشروطة منه، فلمّا أوغل به المسير، ورأى أنه قد خفّ عنه الطلب، واسترخى به اللّبب «7» ، حدّثه خبث الضمير بالإخلاف، وأركسه عجز الرأي في استئناف الخلاف، واعتقل من كان في صحبته بدلا عمّن رهنهم من عشيرته. وقدّر الأمير أن الذي بلغه من أمره إرجاف «8» يردفه خلاف وباطل، ليس له حاصل، إلى أن تناصرت به الأنباء، فبرح الخفاء، وانكشف الغطاء، وعلم
(1) وردت في الأصل: فوافقه، وفي ب: فواقف، والأصح ما أثبتناه. واقفه مواقفة: وقف معه في حرب أو خصومة.
ابن منظور- لسان العرب، مج 9، ص 360 (وقف) .
(2) وردت في ب: عزة.
(3) إضافة من ب.
(4) وردت في الأصل: رهائن، والإضافة من ب.
(5) وردت في الأصل: بما، والتصحيح من ب.
(6) وردت في ب: المعتسف. وبالوجهين يستقيم المعنى، حيث إنهما من التعسيف: السير على غير علم أو أثر. ابن منظور- لسان العرب، مج 9، ص 245 (عسف) .
(7) وردت في الأصل: اللبث، والتصحيح من ب. وهو البال. يقال: فلان رخي اللبب أي في بال رخي. ابن منظور- لسان العرب، مج 1، ص 733 (لبب) .
(8) أخبار سيئة كاذبة يكون معها اضطراب في الناس. ابن منظور- لسان العرب، مج 9، ص 113 (رجف) .