فعرفوه به وعبدوه به وسألوه به، فأحبوه وخافوه ورجوه، وتوكلوا عليه وأنابوا إليه؛ واطمأنوا بذكره وأنسوا بحبه بواسطة هذا التعريف. فلم يصعب عليهم بعد ذلك معنى استوائه على عرشه؛ وسائر ما وصف به نفسه من صفات كماله.
إذ قد أحاط علمهم بأنه لا نظير لذلك ولا مثيل له ولم يخطر بقلوبهم مماثلة شي ء من المخلوقين وقد أعلمهم اللّه سبحانه علي لسان رسوله «أنه يقبض سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن» «1» «و أن السماوات السبع والأرضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدكم» «2» «و أنه يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، وسائر المخلوقات على إصبع» «3» فأى يد للخلق وأى إصبع تشبه هذه اليد وهذه الإصبع حتى يكون إثباتها تشبيها وتمثيلا؟
فقاتل اللّه أصحاب التحريف والتبديل، ما ذا حرموه من الحقائق الإيمانية والمعارف الإلهية، وما ذا تعرضوا به من زبالة الأذهان؛ ونخالة الأفكار؟ وما أشبههم بمن كان غذاؤهم المن والسلوى بلا تعب فآثروا عليه الفوم والعدس والبصل. وقد جرت عادة اللّه سبحانه أن يذل من آثر الأدنى على الأعلى، ويجعله عبرة للعقلاء.
فأول هذا الصنف إبليس لعنه اللّه، ترك السجود لآدم كبرا فابتلاه اللّه تعالى بالقيادة لفساق ذريته «4» ، وعباد الأصنام لم يقروا بنبي من البشر ورضوا بآلهة
(1) أخرجه البخاري (4812، 6519، 7382، 7413) ، ومسلم في (المنافقين/ 19) .
(2) (ضعيف الإسناد) رواه ابن جرير في «التفسير عن ابن عباس موقوفا بسند ضعيف.
(3) أخرجه البخاري (4811، 7414 - 7415، 7451، 7513) ، ومسلم في (المنافقين/ 2786) .
(4) كما قال الشاعر:
عجبت من إبليس في تمرده ... وقبح ما أظهر من نخوت
تاه على آدم في سجدة ... وصار قوادا لذريته