فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 779

وأقام بهما حجته على عباده، فلا ينفك أحدهما عن صاحبه أصلا، فالكتاب المنزل والعقل المدرك حجة اللّه على خلقه. وكتابه هو الحجة العظمى، فهو الذي عرفناه لم يكن لعقولنا سبيل إلى استقلالها بإدراكه أبدا، وليس لأحد عنه مذهب ولا إلى غيره مفزع في مجهول يعلمه ومشكل يستبينه. فمن ذهب عنه فإليه يرجع، ومن دفع حكمه فيه يحاج خصمه إذ كان بالحقيقة هو المرشد إلى الطرق العقلية، والمعارف اليقينية. فمن رد من مدعي البحث والنظر حكومته، ودفع قضيته، فقد كابر وعاند ولم يكن لأحد سبيل إلى إفهامه.

وليس لأحد أن يقول: إني غير راض بحكمه بل بحكم العقل، فإنه متى رد حكمه فقد رد حكم العقل الصريح وعاند الكتاب والعقل، والذين زعموا من قصارى العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند تعارضها إنما أتوا من جهلهم بحكم العقل، ومقتضى السمع، فظنوا ما ليس بمعقول معقولا، فهو في الحقيقة شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك؛ أو من جهلهم بالسمع إما بنسبهم إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما لم يقله، أو نسبتهم إليه ما لم يرده بقوله، وإما لعدم تفريقهم بين ما لا يدرك بالعقول، فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ظن التعارض بين السمع والعقل، واللّه سبحانه حاج عباده على ألسن رسله فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إياه بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها تناولا، وأقلها تكلفا وأعظمها غنى ونفعا.

فحججه سبحانه العقلية التي في كتابه جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة واضحة قليلة المقدمات، مثل قوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد وبطلان الشرك وقطع أسبابه وحسم مواده كلها قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ، وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ (سبأ: 22 - 23) فتأمل كيف أخذت هذه الآية على المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك وسد بها عليهم أبلغ سد وأحكمه، فإن العابد إنما يتعلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت