على الآراء والعقول مقدمين. ولم يدع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض الوحي والنصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرءوا منهم وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، وكانوا لا يرون السلام عليهم ومجالستهم.
ولما كثرت الجهمية في آخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا فكانوا قليلين أذلاء مذمومين. وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه؛ ولهذا يسمى مروان الجعد. وعلى رأسه سلب اللّه بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة.
ولما اشتهر أمره في المسلمين طلبه خالد بن عبد اللّه القسري- وكان أميرا على العراق- حتى ظفر به فخطب الناس في يوم الأضحى. وكان آخر ما قال في خطبته «أيها الناس ضحوا؛ فإني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن اللّه لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا. تعالى اللّه عما يقول الجعد علوا كبيرا» «1» ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، وكان ضحيته. ثم طفئت تلك البدعة والناس إذ ذاك عنق واحد أن اللّه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال، وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليما
(1) أخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص 69 - هند) والدارمي في «الرد على الجهمية» (ص 7، 113) قال الشيخ الألباني: ورجاله ثقات غير عبد الرحمن بن محمد بن حبيب وأبيه وجده قال المؤلف- يعني الذهبي- في «الميزان» : لا يعرف هؤلاء.
ثم قال الألباني: لكنه يتقوى بالذي بعده فإن إسناده خير منه ولعله لذلك جزم العلماء بهذه القصة فقال المؤلف في ترجمة الجعد من «الميزان» وتبعه الحافظ في «اللسان» :
عداده في التابعين مبتدع ضال، زعم أن اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر، والقصة مشهورة أ ه (مختصر العلو: فقرة 115) .