فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 779

وإذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز ليس تقسيما شرعيا ولا عقليا ولا لغويا فهو اصطلاح محض؛ وهو اصطلاح حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص «1» ، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين وأشهر ضوابطهم قولهم: إن الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا. والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له أولا، ثم زاد بعضهم:

في العرف الذي وقع به التخاطب لتدخل الحقائق الثلاث وهي: اللغوية، والشرعية والعرفية.

والكلام على ذلك من وجوه (أحدها) : ما تعنون باللفظ سواء كانت اللغات توقيفية كما هو قول جمهور الناس، أو اصطلاحية كما هو قول أبى هاشم الجبائي ومن تبعه، أ تعنون به جعل اللفظ دليلا على المعنى، أم تعنون به غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير فيه أشهر من غيره، أم تعنون به مطلق الاستعمال ولو مرة واحدة في صورة واحدة كما قلتم من شرط المجاز الوضع، فإن الوضع في كلامكم ما يدور علي هذه المعانى الثلاثة، وهذا كله إنما يصح إذا علم أن الألفاظ العربية وضعت أولا لمعان ثم استعملت فيها ثم وضعت لمعان أخر بعد الوضع الأول والاستعمال بعده والوضع الثاني والاستعمال بعده، ولا تتم لكم دعوى المجاز إلا بهذه المقامات الأربع، وليس معكم ولا مع غيركم سوى استعمال اللفظ في المعنى، وأما أنهم وضعوه لمعنى ثم استعملوه فيه، ثم وضعوه بعد ذلك لمعنى آخر غير معناه الأول ثم استعملوه فيه، فدعوى ذلك قول بلا علم، وهو حرام في حق المخلوق. فكيف في كلام اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم، فمن يمكنه من بني آدم أن يثبت ذلك، وهذا لو أمكن العلم به لم يكن له طريق إلا الوحي وخبر الصادق المعلوم بالضرورة صدقه.

(1) يشير إلى ما أخرجه البخارى وغيره من حديث عبد اللّه بن مسعود وغيره قوله صلى اللّه عليه وسلم: خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ... الحديث ورد من عدة طرق وبألفاظ متقاربة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت