المشتغل بغيرها، وهذا شأن من عني بسيرة رجل وهديه وكلامه وأحواله فإنه يعلم من ذلك بالضرورة ما هو مجبول لغيره.
إن هذه الأخبار لو لم تفد اليقين فإن الظن الغالب حاصل منها ولا يمتنع إثبات الأسماء والصفات بها كما لا يمتنع إثبات الأحكام الطلبية بها، فما الفرق بين باب الطلب وباب الخبر بحيث يحتج بها في أحدهما دون الآخر، وهذا التفريق باطل بإجماع الأمة، فإنها لم تزل تحتج بهذه الأحاديث في الخبريات العلميات كما يحتج بها في الطلبيات العمليات، ولا سيما والأحكام العملية تتضمن الخبر عن اللّه بأنه شرع كذا وأوجبه ورضيه دينا، بشرعه ودينه راجع إلى أسمائه وصفاته، ولم تزل الصحابة والتابعون وتابعوهم وأهل الحديث والسنة يحتجون بهذه الأخبار في مسائل الصفات والقدر والأسماء والأحكام، ولم ينقل عن أحد منهم البتة أنه جوز الاحتجاج بها في مسائل الأحكام دون الإخبار عن اللّه وأسمائه وصفاته.
فأين السلف المفرقين بين البابين، نعم سلفهم بعض متأخري المتكلمين الذين لا عناية لهم بما جاء عن اللّه ورسوله وأصحابه؛ بل يصدون القلوب عن الاهتداء في هذا الباب بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ويحيلون عن آراء المتكلمين، وقواعد المتكلفين، فهم الذين يعرف عنهم التفريق بين الأمرين، فإنهم قسموا الدين إلى مسائل علمية وعملية وسموها أصولا وفروعا وقالوا الحق في مسائل الأصول واحد، ومن خالفه فهو كافر أو فاسق، وأما مسائل الفروع فليس للّه تعالى فيها حكم معين ولا يتصور فيها الخطأ وكل مجتهد لحكم اللّه تعالى الذي هو حكمه، وهذا التقسيم لو رجع إلى مجرد الاصطلاح لا يتميز به ما سموه أصولا مما سموه فروعا فكيف وقد وضعوا عليه أحكاما وضعوها بعقولهم وآرائهم، (منها) التكفير بالخطإ في مسائل الأصول دون مسائل الفروع، وهذا من أبطل الباطل كما سنذكره، (ومنها) : إثبات الفروع بأخبار الآحاد دون