العقلية لعين الرائي فيرى الملائكة ويسمع خطابهم، وكل ذلك من الوهم والخيال لا في الخارج.
فهذا أصل هؤلاء في إثبات كلام الرب وملائكته وأنبيائه ورسله، والأصل الذي قادهم إلى هذا عدم الإقرار بالرب الذي عرّفت به الرسل ودعت إليه، وهو القائم بنفسه المباين العالي فوق سماواته فوق عرشه الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته، العالم بجميع المعلومات، القادر على كل شي ء، فهم أنكروا ذلك كله.
لصفات الرب تعالى أن كلامه مخلوق ومن بعض مخلوقاته، فلم يقم بذاته سبحانه، فاتفقوا على هذا الأصل واختلفوا في فروعه. قال الأشعري في كتاب «المقالات» : اختلفت المعتزلة في كلام اللّه، هل هو جسم أو ليس بجسم وفي خلقه على ستة أقاويل (فالفرقة الأولى) منهم يزعمون أن كلام اللّه جسم، وأنه مخلوق، وأنه لا شي ء إلا جسم.
والفرقة الثانية: زعموا أن كلام الخلق عرض وهو حركة، لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة وأن كلام الخالق جسم، وأن ذلك الجسم صوت متقطع مؤلف مسموع، وهو فعل اللّه وخلقه وهذا قول أبي الهذيل وأصحابه، وأحال النظام «1» أن يكون كلام اللّه في أماكن كثيرة أو مكانين في وقت واحد، وزعم أنه في المكان الذي خلق فيه.
والفرقة الثالثة: من المعتزلة تزعم أن القرآن مخلوق للّه، وأنه عرض، وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد إذا تلاه قال فهو يوجد مع تلاوته، وإذا كتبه وجد مع كتابته، وإذا حفظه وجد مع حفظه، وهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال.
(1) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار المعروف بالنظام، وهو ابن أخت أبي الهذيل العلاف ومنه أخذ الاعتزال، وهو شيخ الجاحظ، وللمزيد راجع «تلبيس إبليس» بتحقيقنا (ص 43) طبعة المكتب الثقافى بالقاهرة، و «اجتماع الجيوش» بتحقيقنا طبعة نزار الباز بمكة المكرمة.