والمقصود أنه لو كان العلى العظيم إنما يريد به اتصافه بالعلم والقدرة والملك؛ ومواضع ذلك كان تكريرا؛ فإن ذكر ذلك مفصلا أبلغ من الدلالة عليه بما لا يفهم إلا بكلفة. وكذلك إذا قيل أن علوه مجرد كونه أعظم من مخلوقاته وأفضل منها، فهذا هضم عظيم لهاتين الصفتين العظيمتين. وهذا لا يليق ولا يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض الرد لمن ساوى بينه وبين غيره في العبادة والتأله، كقوله تعالى: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى، آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ؟ (النمل: 59) ، وقول يوسف الصديق أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (يوسف: 39) ، فهذا السياق يقال في مثله: أن اللّه خير مما سواه. وأما بعد أن يذكر مالك الكائنات ويقال مع ذلك إنه أفضل من مخلوقاته، وأعظم من مصنوعاته؛ فهذا ينزه عنه كلامه، وإنما يليق بهؤلاء الذين يجعلون للّه مثل السوء في كلامه، ويجعلون ظاهره كفرا تارة، وضلالة أخرى، وتارة تجسيما وتشبيها ويقولون فيه ما لا يرضى أحدنا أن يقوله في كلامه.
احتج الجهمى على امتناع ذلك عليه بأن هذا انفعال وتأثير عن العبد والمخلوق لا يؤثر في الخالق. فلو أغضبه أو فعل ما يفرح به لكان المحدث قد أثر في القديم تلك الكيفيات وهذا محال هذه الشبهة من جنس شبههم التي تدهش السامع أول ما تطرق سمعه، وتأخذ منه تروعه، كالسحر الّذي يدهش الناظر أول ما يراه.
الجواب من وجوده (أحدها) أن اللّه تعالى خالق كل شي ء، وربه ومليكه، وكل ما في الكون من أعيان وأفعال وحوادث فهى بمشيئته وتكوينه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فصفتان لا تخصيص فيهما بوجه من الوجوه، وكل ما يشاء إنما يشاءه لحكمة اقتضاها حمده، ومجده، فحكمته البالغة أوجبت كل ما في الكون من الأسباب والمسببات، فهو سبحانه خالق الأسباب التى ترضيه،