سمي له لتفرده بكمال هذه الصفات والأفعال. فأما من لا صفة له ولا فعل ولا حقائق لأسمائه، إن هي إلا ألفاظ فارغة من المعاني، فالعدم سمي له.
وكذلك قوله سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فإنه سبحانه ذكر ذلك عقب ذكر نعوت كماله وأوصافه فقال حم عسق. كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ. تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ- إلى قوله- فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشورى: 1 - 11) .
فهذا الموصوف بهذه الصفات والأفعال والعلو والعظمة والحفظ والعزة والحكمة والملك والحمد والمغفرة والرحمة والكلام والمشيئة والولاية، وإحياء الموتى والقدرة التامة الشاملة، والحكم بين عباده، وكونه فاطر السموات والأرض وهو السميع البصير، فهذا هو الذي ليس كمثله شي ء لكثرة نعوته وأوصافه وأسمائه وأفعاله، وثبوتها على وجه الكمال لا يماثله فيه شي ء. فالمثبت لصفات كماله هو الذي يصفه أنه ليس كمثله شي ء. وأما المعطل النافي لصفاته وحقائق أسمائه فإن وصفه بأنه ليس كمثله شي ء مجاز لا حقيقة له، كما يقول في سائر أوصافه وأسمائه.
والوجه الخامس والثلاثون: أنه سبحانه وصف نفسه بأن له المثل الأعلى فقال تعالى: لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (النحل: 60) ، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الروم: 27) فجعل مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال للمشركين، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده.
وبهذا كان المثل الأعلى، وهو أفعل تفضيل، أي أعلى من غيره. فكيف يكون