فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 779

إبليس مخلوق بقدرته سبحانه، فأى مزية ولآدم على إبليس في قوله ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ يوضحه:

الوجه التاسع: إن اللّه جعل ذلك خاصة خص بها آدم دون غيره، ولهذا قال له موسى وقت المحاجة: أنت الذي خلقك اللّه بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شي ء؛ وكذلك يقول له أهل الموقف إذا سألوه الشفاعة، فهذه أربع خصائص له؛ فلو كان المراد باليد القدرة لكان بمنزلة أن يقال له: خلقك اللّه بقدرته فأي فائدة في ذلك، يوضحه:

الوجه العاشر: إنك لو وضعت الحقيقة التي يدعي هؤلاء أن اليد مجاز فيها موضع اليد لم يكن في الكلام فائدة، ولم يصح وضعها هناك فإنه سبحانه لو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقت بقدرتي، وقال له موسى: أنت أبو البشر الذي خلقك اللّه بقدرته، وقال له أهل الموقف ذلك: لم يحسن ذلك الكلام ولم يكن فيه من الفائدة شي ء، وتعالى اللّه أن ينسب إليه مثل ذلك فإن مثل هذا التخصيص إنما خرج مخرج الفضل له على غيره وأن ذلك أمر اختص به لم يشاركه فيه غيره، فلا يجوز حمل الكلام على ما يبطل ذلك.

الوجه الحادي عشر: إن نفس هذا التركيب المذكور في قوله: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ يأبى حمل الكلام على القدرة لأنه نسب الخلق إلى نفسه سبحانه ثم عدى الفعل إلى اليد ثم ثناها ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قوله: كتبت بالقلم.

ومثل هذا النص صريح لا يحتمل المجاز بوجه، بخلاف ما لو قال: عملت كما قال تعالى: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (الشورى: 30) - بِما قَدَّمَتْ يَداكَ (الحج: 10) فإن نسب الفعل إلى اليد ابتداء، وخصها بالذكر لأنها آلة الفعل في الغالب، ولهذا لما لم يكن خلق الأنعام مساويا لخلق أبي الأنام قال تعالى:

أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا (يس: 71) فأضاف الفعل إلى الأيدى وجمعها ولم يدخل عليها الباء فهذه ثلاثة فروق تبطل إلحاق أحد الموضعين بالآخر، ويتضمن التسوية بينهما عدم مزية أبينا آدم على الأنعام، وهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت