فهرس الكتاب

الصفحة 635 من 779

انتفت حقيقة الكلام عنه انتفى الخلق، وقد عاب اللّه آلهة المشركين بأنها لا تتكلم ولا تكلم عابديها ولا ترجع إليهم قولا، والجهمية وصفوا الرب تبارك وتعالى بصفة هذه الآلهة.

وقد ضرب اللّه تعالى لكلامه واستمراره ودوامه المثل بالبحر يمده من بعده سبعة أبحر، وأشجار الأرض كلها أقلام، فيفنى المداد والأقلام ولا تنفد كلماته. أ فهذا صفة من لا يتكلم ولا يقوم به كلام؟ فإذا كان كلامه وتكليمه، وخطابه ونداؤه، وقوله وأمره، ونهيه ووصيته، وعهده وإذنه، وحكمه وإنباؤه، وأخباره وشهادته. وكل ذلك مجاز لا حقيقة له بطلت الحقائق كلها، فإن الحقائق إنما حقت بكلمات تكوينه وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (يونس: 82) فما حقت الحقائق إلا بقوله وفعله.

فصل اختلاف الناس في: صفة الكلام

اختلف أهل الأرض في كلام اللّه تعالى، فذهب الاتحادية القائلون بوحدة الوجود أن كل كلام في الوجود كلام للّه، نظمه ونثره، وحقه وباطله، سحره وكفره، والسب والشتم، والهجر والفحش، وأضداده كله غير كلام اللّه تعالى القائم به كما قال عارفهم:

وكل كلام في الوجود كلامه ... سواء علينا نثره ونظامه

وهذا المذهب مبني على أصلهم الذي أصلوه، وهو أن اللّه سبحانه هو عين هذا الوجود، فصفاته هي صفات اللّه، وكلامه هو كلام اللّه، وأصل هذا المذهب إنكار مسألة المباينة والعلو، فإنهم لما أصلوا أن اللّه تعالى غير مباين لهذا العالم المحسوس صاروا بين أمرين لا ثالث لهما إلا المكابرة.

(أحدهما) إنه معدوم، لا وجود له، إذ لو كان موجودا لكان إما داخل العالم وإما خارجا عنه، وهذا معلوم بالضرورة، فإنه إذا كان قائما بنفسه، فإما أن يكون مباينا للعالم أو محايثا له، إما داخلا فيه وإما خارجا عنه.

(الأمر الثاني) أن يكون هو عين هذا العالم، فإنه يصح أن يقال فيه حينئذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت