فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 779

الوجه الرابع: إن اللّه فطر عباده حتّى الحيوان علي استحسان وضع الشي ء في موضعه والإتيان به في وقته وحصوله على الوجه المطلوب منه، وعلى استقباح ضد ربك وخلافه وأن الأول دال على كمال فاعله علمه وقدرته، وضده دال على نقصه، وهذه فطرة لا يمكنهم الخروج عن موجبها، فهو سبحانه يضع الأشياء في مواضعها التي لا يليق بها سواها، ويخصها من الصفات والأشكال والهيئات والمقادير بما هو أنسب لها من غيره؛ وأبرزها في أوقاتها المناسبة لها، ومن له نظر صحيح وأعطى التأمل حقه شهد ذلك فيما رآه وعلمه، واستدل بما شاهده على ما خفى عنه، وقد ندب سبحانه عباده إلى ذلك فقال وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ (الذاريات: 21) .

من نظر في هذا العالم وتأمله حق تأمل وجده كالبيت المبني المعد فيه جميع عتاده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والمنافع مخزونة كالذخائر، كل شي ء منها لأمر يصلح له، والإنسان المخلول فيه، وضروب النبات مهيئات لمآربه؛ وصنوف الحيوان مصرفة في مصالحه، فمنها ما هو للدر والنسل والغذاء فقط. ومنها ما هو للركوب والحملة فقط. ومنها ما هو للجمال والزينة، ومنهار ما يجمع ذلك كله بالإبل، وجعل أجوافها خزائن لما هو شراب وغذاء ودواء وشفاء؛ ففيها عبرة للناظرين وآيات للمتوسمين؛ وفي الطير واختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها ومقاديرها ومنافعها وأصواتها صافات وقابضات؛ وغاديات ورائحات، ومقيمات وظاعنات، أعظم عبرة وأعظم دلالة على حكمة الخلاف العليم، وكل ما أخذه الناس وأدركوه بالأفكار الطويلة والتجارب المتعددة من أصناف الآلات والمصانع وغيرها إذا فكر فيها المتفكر وجدها مشتقة من الخلقة، ومستنبطة من الصنع الإلهي ..

مثال ذلك أن القبان «1» مستنبط من خلقه البعير، فإنهم لما رأوه ينهض بحمله وينوء به ويمد عنقه ويوازن حمله برأسه استنبطوا القبان من ذلك، وجعلوا طول

(1) القبان: الميزان ذو الذراع الطويلة المقسمة أقساما، يحرك عليها جسم ثقيل يسمى الرمانة لتبين وزن ما يوزن (الوجيز) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت