فهرس الكتاب

الصفحة 234 من 779

وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما. إلى أن جاء أول المائة الثالثة وولى على الناس عبد اللّه المأمور. وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامرا بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات، فأمر بتعبير كتب يونان «1» ، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فترجمت له وعبرت، فاشتغل بها الناس. والملك سوق ما ينفق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أخوه الأمين قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل؛ فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها استحسنها ودعا الناس إليها عاقبهم عليها. فلم تطل مدته. فصار الأمر بعده إلى المعتصم، وهو الذي ضرب أحمد بن حنبل، فقام بالدعوة بعده، والجهمية تصوب فعله وتدعو إليه وتخبره أن ذلك هو تنزيه الرب عن التشبيه والتجسيم. وهم الذين غلبوا على مجلسه وقربه، والقضاة والولاة منهم. فإنهم تبع لملوكهم ومع هذا فلم يكونوا يتجاسرون على إلغاء النصوص وتقديم العقول والآراء عليها. فإن الإسلام كان في ظهور وقوة، وسوق الحديث نافقة، وأعلام السنة على ظهر الأرض ولكن كانوا على ذلك يحومون وحوله يدندنون، وأخذوا الناس بالرغبة والرهبة؛ فمن بين أعمى مستجيب؛ ومن بين مكره مفتد بنفسه منهم بإعطاء ما سألوه. وقلبه مطمئن بالإيمان. وثبت اللّه أقواما جعل قلوبهم في نصر دينه أقوى من الصخر وأشد من الحديد. فأقامهم لنصرة دينه، وجعلهم أئمة يقتدي بهم المؤمنون لما صبروا وكانوا بآياته يوقنون: فإنه بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. قال تعالى: وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (السجدة: 24) فصبروا من الجهمية على الأذى الشديد، ولم يتركوا سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رغبوهم به من الوعد ولا لما أرعبوهم به من الوعيد. ثم أطفأ اللّه برحمته تلك الفتنة وأخمد تلك الكلمة، ونصر السنة نصرا عزيزا، وفتح لأهلها فتحا مبينا، حتى صرخ بها على رءوس المنابر، ودعى إليها في كل باد وحاضر، وصنف في ذلك الزمان في السنة ما لا يحصيه إلا اللّه.

ثم انقرض ذلك العصر وأهله، وقام بعدهم ذريتهم يدعون إلى كتاب اللّه

(1) يعني ترجمتها وتفسيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت