فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 779

بالمعبود لما يرجوا من نفعه، وإلا فلو كان لا يرجو منفعة لم يتعلق قلبه به، وحينئذ فلا بد أن يكون المعبود مالكا للأسباب التي ينفع بها عابده، أو شريكا لمالكها- أو ظهيرا أو وزيرا، أو معاونا له، أو وجيها ذا حرمة وقدر يشفع عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه انتفت أسباب الشرك وانقطعت مواده، فنفي سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقال ذرة في السماوات والأرض، فقد يقول المشرك: هى شريكة المالك الحق، فنفى شركها له، فيقول المشرك:

قد يكون ظهيرا أو وزيرا أو معاونا فقال: وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ولم يبق إلا الشفاعة فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فإن لم يأذن للشافع لم يتقدم بالشفاعة بين يديه كما يكون في حق المخلوقين فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له، فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها، وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته، فهو الغنى بذاته عن كل ما سواه، فكيف يشفع عنده أحد بغير إذنه؟

وكذلك قوله سبحانه مقررا برهان التوحيد أحسن التقرير وأبلغه وأوجزه قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (الإسراء: 42) فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه كانوا يعترفون بأنها عبيده ومماليكه ومحتاجة إليه، فلو كانوا آلهة كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده دون غيره؛ فكيف يعبدونهم دونه؟

وقد أفصح سبحانه بهذا بعينه في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ (الإسراء: 57) أي هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي ويخافون عذابي؛ فلما ذا تعبدون من دوني؟

وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (المؤمنون: 91) .

فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين؛ فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا يوصل إلى عباده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى شركة الإله الأخر معه. بل إن قدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت