فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 779

وقد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه وقال: «إنهم تأولوها على غير تأويلها» وبين معناها. وكذلك الصحابة والتابعون فسروا القرآن وعلموا المراد بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهى، وإن لم يعلموا الكيفية، كما علموا معاني ما أخبر اللّه به في الجنة والنار وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته.

فمن قال من السلف: إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا اللّه بهذا المعنى فهو أحق وأما من قال: إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلا اللّه فهو غلط، والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه. قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها، وقال عبد اللّه بن مسعود: ما في كتاب اللّه آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت، وقال الحسن البصري: ما أنزل اللّه آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها، وقال مسروق: ما نسأل أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم عن شي ء إلا وعلمه في القرآن، ولكن علمنا قصر عنه، وقال الشعبي: ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي كتاب اللّه بيانها.

والمقصود أن معارضة العقل للسمع لا بدّ لصاحبها أن يسلك أحد هذه المسالك الأربعة الباطلة، وأسلمها هذا المسلك الرابع، وقد علمت بطلانه، وإنما كان أقلها (بطلانا) لأنه يتضمن الخبر الكاذب على اللّه ورسوله، فإن صاحبه يقول: لا أفهم من هذه النصوص شيئا ولا أعرف المراد بها. وأصحاب تلك المسالك تتضمن أقوالهم تكذيب اللّه ورسوله والاخبار عن النصوص بالكذب.

السادس والعشرون: إن هؤلاء المعارضين للكتاب والسنة بعقلياتهم التي هي في الحقيقة جهليات إنما (يبنون) أمرهم في ذلك على أقوال متشابهة مجملة تحتمل معاني متعددة؛ ويكون ما فيها من الاشتباه في المعنى، والإجمال في اللفظ يوجب تأويلها بحق وباطل فيما فيها من الحق يقبل من لم يحط بها علما بما فيها من الباطل لأجل الالتباس والاشتباه، ثم يعارضون بما فيها من الباطل نصوص الأنبياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت