وكذلك الطريق التي سلكوها في إثبات النبوة لم يثبتوا أنها نبوة في الحقيقة فإنهم بنوها على مجرد طريق العادة وهو مشترك بين النبي وغيره، وحاروا في الفرق فلم يأتوا فيه بما تثلج له الصدور. مع أن النبوة التي أثبتوها لا ترجع إلى وصف وجودي بل هي تعلق الخطاب الأزلي بالنبي، والتعلق عندهم أمر عدمي.
فعادت النبوة عندهم إلى أمر عدمي. وقد صرحوا بأنها لا ترجع إلى صفة ثبوتية قائمة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم.
وأيضا فحقيقة النبوة والرسالة إنباء اللّه لرسوله وأمره تبليغ كلامه إلى عباده.
وعندهم أن اللّه يتكلم ولا يقوم به كلام.
أما اليوم الآخر فإن جمهورهم بنوه على إثبات الجوهر الفرد قالوا: لا ينافي التصديق بالمعاد إلا بإثباته، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له. والمثبتون له يعترفون أن القول به في غاية الإشكال وأدلته متعارضة، وكثير منهم له قولان في إثباته ونفيه. وسلكوا في تقرير المعاد ما خالفوا فيه جمهور العقلاء، ولم يوافقوا ما جاءت به الأنبياء، فقالوا، لو أن اللّه تعالى يعدم أجزاء العالم كلها حتى تصير عدما محضا ثم يعيد المعدوم ويقلبه موجودا حتى أنه يعيد زمنه بعينه وينشئه لا من مادة كما قالوا في المبدأ، فجنوا على العقل والشرع وأغروا أعداء الشرع به، وحالوا بينهم وبين تصديق الرسل.
وأما المبدأ فإنهم قالوا: إن اللّه تعالى كان معطلا في الأزل، والفعل غير ممكن، مع قولهم كان قادرا عليه، ثم صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا من غير تجدد أمر أصلا، وانقلب الفعل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وذات الفاعل قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة.
فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها الوحي. وهذه طرقهم العقلية التي لم يثبتوا بها ربا ولا رسالة ولا مبدأ ولا معادا.
الوجه الحادي والثلاثون: إن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة «1» ؛ فهو أول من عارض السمع بالعقل وقدمه عليه، فإن سبحانه لما أمره
(1) أبو مرة: هي كنية إبليس عليه لعنة اللّه.