يكن مراد اللّه من ذلك الكلام ما أشعر به الظاهر، فعلى هذا إذا أسمع اللّه المكلف ذلك الكلام فلو قطع المكلف بحمله على ظاهره مع قيام الاحتمال الذي ذكرناه كان ذلك التقصير واقعا من المكلف. لا من قبل اللّه تعالى. حيث قطع لا في موضع القطع، فثبت أنه لا يلزم من عدم إخطار اللّه تعالى ببال المكلف ذلك الدليل العقلي المعارض للدليل السمعي أن يكون مكلفا ملبسا. قال فخرج بما ذكرنا أن الدلالة النقلية لا يجوز التمسك بها في باب المسائل العقلية، نعم يجوز التمسك بها في المسائل النقلية تارة لإفادة اليقين كما في مسئلة الإجماع وخبر الواحد وتارة لإفادة الظن كما في الأحكام الشرعية- انتهى كلامه.
فليتدبر المؤمن هذا الكلام أوله على آخره وآخره على أوله ليتبين له ما ذكرناه عنهم من العزل التام للقرآن والسنة من أن يستفاد منهما علم أو يقين في باب معرفة اللّه وما يجب له وما يمتنع عليه. وأنه لا يجوز أن يحتج بكلام اللّه ورسوله في شي ء من هذه المسائل. وإن اللّه تعالى يجوز عليه التدليس والتلبيس على الخلق وتوريطهم في طرق الضلال. وتعريضهم لاعتقاد الباطل والمحال، وإن العباد مقصرون غاية التقصير إذا حملوا كلام اللّه ورسوله على حقيقته، ونطقوا بمضمون ما أخبر به حيث لم يشكوا في ذلك، أو قد يكون في العقل ما يعارضه ويناقضه، وإن غاية ما يمكن بكلام اللّه ورسوله عليه من الجزئيات ما كان مثل الإخبار بأن على قمة جبل قاف غربا صفته كيت وكيت؛ أو على مسألة الإجماع وخبر الواحد، وإن مقدمات أدلة القرآن والسنة غير معلومة ولا متيقنة الصحة، ومقدمات أدلة أرسطو صاحب المنطق والفارابي وابن سينا وإخوانهم قطعية معلومة ولا متيقنة الصحة، وإنه لا طريق لنا إلى العلم بصحة الأدلة في باب الإيمان باللّه وأسمائه وصفاته البتة؛ لتوقفها على انتفاء ما لا طريق لنا إلى العلم بانتفائه. وأن الاستدلال بكلام اللّه ورسوله في ذلك فضله لا يحتاج إليها، بل هى مستغنى عنها إذا كان موافقا للعقل.
فتأمل على البناء الذي بنوه، هل في قواعد الإلحاد أعظم هدما منه لقواعد الدين، وأشد مناقضة منه لوحي رب العالمين؟ وبطلان هذا الأصل معلوم بالاضطرار من دين جميع الرسل؛ وعند جميع أهل الملل.