فهرس الكتاب

الصفحة 257 من 779

ويبقى كذلك أبد الآبدين، وعن هذه الطريق قالت الجهمية: إن اللّه في كل مكان بذاته، وقال إخوانهم، إنه ليس في العالم، ولا خارج العالم، ولا متصلا به، ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ولا محايثا له، ولا فوقه ولا خلفه، ولا أمامه، ولا وراءه، وعنها قال من قال إن ما نشاهده عن الأعراض الثابتة كالألوان والمقادير والأشكال تتبدل في كل نفس ولحظة ويخلفها غيرها حتى قال من قال: إن الروح عرض وإن الإنسان يستحدث في كل ساعة عدة أرواح تذهب له روح ويجي ء غيرها. عنها قال من قال: إن جسم انتن الرجيع وأخبثه مماثل لجسم أطيب في الحد والحقيقة، لا فرق بينها إلا بأمر عرضي. وأن جسم النار مساو لجسم الماء في الحد والحقيقة. وعنها قالوا: إن الروائح والأصوات والمعارف والعلوم. تؤكل وتشرب وترى وتسمع وتلمس، وأن الحواس الخمس تتعلق بك موجود. وعنها نفوا عنه تعالى الرضى والغضب والمحبة والرحمة، والرأفة والضحك والفرح، بل ذلك كله إرادة محضة او ثواب منفصل مخلوق.

وعنها قالوا: أن الكلام معنى واحد بالعين، لا ينقسم ولا يتبعض، ولا له جزء ولا كل وهو الأمر بكل شي ء مأمور، والنهي عن كل مخبر عنه. وكذلك قالوا في العلم: إنه أمر واحد فالعلم بوجود الشي ء هو عين العلم بعدمه لا فرق بينها البتة بالتعلق. وكذلك قالوا: إن إرادة إيجاد الشي ء هي نفس إرادة إعدامه ليس هنا إرادة، كذلك رؤية زيد هي نفس رؤية عمرو. ومعلوم أن هذا لا يعقل، بل هو مخالف لصريح العقل.

ومن العجب أنهم لم يثبتوا بها في الحقيقة صانعا ولا صفة من صفاته ولا فعلا من أفعاله ولا نبوة ولا مبدأ ولا معادا ولا حكمة، بل هي مستلزمة لنفي ذلك كله صريحا ولزوما بينا.

وجاء آخرون فرموا إثبات الصفات والأفعال وموافقتهم في هذه الطريق، فتجشموا أمرا ممتنعا واشتقوا طريقة لم يمكنهم الوفاء بها، فجاءوا بطريق بين النفي والإثبات لم يوافقهم فيها المعطلة النفاة لم يسلكوا فيها مسلك أهل الإثبات.

وظنوا أنهم بذلك يجمعون بين المعقول والمنقول، ويصلون في هذه الطريق إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت