فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 779

عقليين، بل الحسن ما فعله أو ما يفعله فكله حسن لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (الأنبياء: 23) قالوا: والقبح والظلم هو تصرف الإنسان في غير ملكه، فأما تصرف الملك الحق في ملكه من غير أن يكون تحت حجر حاجر أو أمر آمر أو نهى ناه، فإنه لا يكون ظلما ولا قبيحا. فرفع هؤلاء الأسئلة من أصلها والتزموا لوازم هذا الأصل بأنه لا يجب على اللّه شي ء، ولا يحرم عليه شي ء، ولا يقبح منه ممكن.

وقالت القدرية: هذا لا يرد على أصولنا، وإنما يرد على أصول الجبرية القائلين بأن اللّه تعالى خالق أفعال العباد، وطاعتهم ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم، وأنه قدر ذلك عليهم قبل أن يخلقهم وعلمه منهم وخلقهم له، فخلق أهل الكفر للكفر، وأهل الفسوق للفسوق قدر ذلك عليهم وشاءه منهم وخلقه فيهم. فهذه الأسئلة واردة عليهم. وأما نحن فعندنا أن اللّه تعالى عرضهم للطاعة والإيمان وأقدرهم عليه ومكنهم منه ورضية لهم وأحبه، ولكنهم اختاروا لأنفسهم الكفر والعصيان، واللّه تعالى لم يكرههم على ذلك. ولم يجبلهم عليه ولا شاءه منهم ولا كتبه عليهم ولا قدره ولا خلقهم له ولا خلقه فيهم، ولكنها أعمال هم لها عاملون وشرورهم لها فاعلون. فإنما خلق إبليس لطاعته وعبادته؛ ولم يخلق لمعصيته والكفر به. وصرح قدماء هذه الفرقة بأن اللّه سبحانه لم يكن يعلم من إبليس حين خلقه أنه يصدر منه ما صدر، ولو علم ذلك منه لم يخلقه.

وأبى متأخرون ذلك. وقالوا: بل كان سبحانه عالما به وخلقه امتحانا لعباده ليظهر المطيع له من العاصي، والمؤمن من الكافر، وليثبت عباده على معاداته ومحاربته ومعصيته أفضل الثواب. قالوا: وهذه الحكمة اقتضت بقاءه حتّى تنقضي الدنيا وأهلها، قالوا: وأمره بالسجود ليطيعه فيثيبه، فاختار لنفسه المعصية والكفر من غير إكراه من الرب ولا إلجاء له إلى ذلك. ولا حال بينه وبين السجود، ولا سلطه على آدم وذريته قهرا، وقد اعترف عدو اللّه بذلك حيث يقول وَما كانَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت